دلالات العلم الإلهي وإحاطته بالسر والعلن في ظلال الوحي

إسلاميات

استمع الي المقالة
0:00

دلالات العلم الإلهي وإحاطته بالسر والعلن في ظلال الوحي

قال الله سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه وأسروا قولكم أو إجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ما أعظم هذا السياق الرباني وما أجل مايتضمنه من بيان عظمة الخالق سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه

حيث بدأ سبحانه وتعالى بقوله وأسروا قولكم أو إجهروا به ليقرر حقيقة إيمانية كبرى تتمثل في أن السر والجهر عنده سواء بناء على أنه لا يختلف في علمه ما أخفاه العبد عما أظهره وذلك لأن علمه سبحانه ليس كعلم المخلوقين الذي تدركه الحواس أو تنقله الأخبار أو يزداد بالتجربة وإنما هو علم كامل أزلي أبدي محيط بكل شيء لا يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان ولا يعتريه نقص بوجه من الوجوه

دلالة التعبير الإلهي بذات الصدور

دلالات العلم الإلهي ثم قال سبحانه إنه عليم بذات الصدور ولم يقل عليم بما في الصدور وذلك لأن التعبير بقوله ذات الصدور أبلغ وأعم فهو يشمل بناء على هذا الإيجاز كل ما إستقر في القلب من إيمان وكفر وإخلاص ورياء ومحبة وبغضاء ويقين وشك وصدق وكذب ونية وإرادة وخاطر ووسوسة وقصد قبل أن ينطق اللسان بكلمة أو تتحرك الجوارح بعمل فهو سبحانه يعلم السر قبل أن يكون سرًا ويعلم النية قبل أن تصير عملًا ويعلم ما خطر في القلب ثم إنصرف فلم يطلع عليه أحد من الخلق

البرهان العقلي الخاضع لعظمة الخالق

ثم جاء بعد ذلك البرهان الذي تقف أمامه العقول خاضعة فقال سبحانه ألا يعلم من خلق أي كيف يظن عاقل أن الذي خلق الخلق جميعًا وأوجدهم من العدم وأتقن خلقهم وأحكم تركيبهم وأحصى أنفاسهم وعد حركاتهم وسكناتهم وأحاط بكل خلية في أجسادهم وكل خاطر في نفوسهم أن يخفى عليه شيء من أمرهم

ومن أعظم ما تدل عليه هذه الآية الكريمة أن الخالق العظيم لا يحتاج في علمه إلى تجربة ولا إلى تفكير ولا إلى مشاهدة ولا إلى سؤال ولا إلى معين ولا إلى أدوات ولا إلى زمن يكتسب فيه المعرفة كما هو شأن المخلوقين تعالى الله وتقدس وتنزه في علاه بل علمه كامل قبل وجود الخلق وبعد وجودهم لا يزداد بحدوث الحوادث ولا ينقص بذهابها لأنه سبحانه العليم الذي أحاط بكل شيء علمًا

بل هو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ويعلم الظاهر والباطن والسر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاه سبحانه علمًا

أسرار الإسمين العظيمين اللطيف الخبير

ثم ختم سبحانه الآية باسمين عظيمين فقال وهو اللطيف الخبير فاللطيف هو الذي بلغ علمه أدق الأشياء وأخفاها فلا تخفى عليه حركة نملة في ظلمة الليل ولا جريان قطرة ماء في أعماق الصخور ولا اضطراب قلب ولا طرفة عين ولا وسوسة نفس ولا خفقة فؤاد كما أنه سبحانه يلطف بعباده في تدبير أمورهم فيسوق إليهم الخير من حيث لا يشعرون ويصرف عنهم من الشر ما لا يعلمونه بحكمته ورحمته

أما الخبير فهو الذي أحاط علمه بكل شيء إحاطة تامة فيعلم حقائق الأشياء وبواطنها كما يعلم ظواهرها ويعلم ماضيها وحاضرها ومستقبلها ويعلم أسبابها ونتائجها وما كان منها وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء

أثر المعرفة بالله على سلوك العبد

ونتيجة لذلك فمن عرف ربه بهذه المعرفة إمتد قلبه إجلالًا وتعظيمًا ومراقبة وإخلاصًا واستحيا أن يراه الله على معصية أو يفقده عند طاعة وأيقن أن كل كلمة محسوبة وكل نية معلومة وكل عمل محفوظ وأن الله لا يخفى عليه خافية ولا يضيع عنده مثقال ذرة من خير أو شر

فما أعظم الله وما أجل جلاله وما أكمل علمه وما أنفذ قدرته وما أتم حكمته سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه فلا يحيط أحد بثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه جميع خلقه الأولون والآخرون