عقلك والقرار لماذا يستهلك الإفراط في التفكير طاقتك

الصحة والجمال

استمع الي المقالة
0:00

عقلك والقرار لماذا يستهلك الإفراط في التفكير طاقتك

تعد عملية إتخاذ القرار بالنسبة للكثيرين مجرد خطوة يومية عابرة بينما يراها المفرطون في التفكير معركة ذهنية معقدة.

إن الأمر لا يتوقف عند حدود “التفكير الزائد” بل يمتد ليكون أسلوبآ مختلفآ في التعامل مع حالات عدم اليقين حيث يسعى هؤلاء لفحص كل خيار من زوايا متعددة بحثآ عن الأمان المفقود.

ما قد يفسره المحيطون بهم على أنه تردد هو في الواقع عملية إدراكية عميقة ومعقدة لا يدرك أبعادها غالبية البشر.

الإختلاف المعرفي.. نمط نفسي قابل للقياس

يؤكد العلم أن الصعوبة التي يواجهها المفرطون في التفكير ليست عيبآ في الشخصية بل هي نمط نفسي ملموس يشكل طريقة معالجتهم للمعلومات.

فبينما يقضي الشخص العادي دقائق معدودة في إختيار منتج بسيط يمضي المفرط في التفكير وقتآ طويلآ في قراءة الملصقات ومقارنة التقييمات عبر هاتفه.

هذا الإختلاف الجوهري يعود إلى كيفية تقييم التبعات وإدراك الخيارات المتاحة وهو ما يجعل المهمة البسيطة عبئآ ذهنيآ ثقيلآ .

نظامان لإدارة الإختيارات.. “المكتفون” و”المعظمون”

طرح الخبير الإقتصادي هربرت سيمون منذ خمسينيات القرن الماضي فكرة أن البشر لا يبحثون دائما عن الخيار الأمثل المطلق بل يمارس الكثيرون ما يسمى “الإكتفاء” وهو البحث عن خيار يلبي معايير مقبولة ثم المضي قدما.

وفي المقابل كشفت الأبحاث اللاحقة عن فئة “المعظمين” أو الساعين للكمال الذين لا يقبلون إلا بالأفضل.

هؤلاء الساعون للكمال يعانون غالبآ من مستويات أقل من السعادة والتفاؤل ويكونون أكثر عرضة للإكتئاب والندم بسبب حساسيتهم المفرطة تجاه المقارنات الإجتماعية.

حلقة الإجترار.. التفكير الذي لا ينتهي

عقلك والقرار بينما يغلق الشخص العادي ملف القرار بمجرد إتخاذه يستمر المفرط في التفكير في “معالجته” عبر ما يسمى بالتفكير الإفتراضي.

تعيد هذه الفئة تخيل سيناريوهات مختلفة وتقيم صحة قراراتها بناء على معلومات لم تكن متاحة وقت التنفيذ.

وتشير الدراسات إلى أن هذا الإجترار الذاتي يرتبط بصفة “العصابية” أكثر من ارتباطه بـ “الضمير الحي” مما يعني أن القلق هو المحرك الأساسي وليس الرغبة في الحذر أو الدقة.

فخ المعلومات وشلل إتخاذ القرار

يسود إعتقاد خاطئ بأن جمع المزيد من المعلومات يؤدي دوما إلى قرار أفضل لكن الواقع يثبت وجود حد فاصل تبدأ عنده المعلومات الإضافية في إضعاف جودة القرار.

الخوف من الخطأ وتوقع الندم يحولان العملية إلى تجربة محفوفة بالمخاطر مما يؤدي في النهاية إلى “شلل القرار” حيث يعجز الشخص عن الإلتزام بأي خيار خشية ألا يكون هو الأفضل على الإطلاق.

تجربة ما بعد القرار.. غياب الإغلاق المعرفي

تستمر معاناة المفرط في التفكير حتى بعد الإستقرار على خيار معين إذ يفتقر لما يسميه العلماء “الإغلاق المعرفي“.

فبينما ينسى “المكتفي” الأمر تمامآ يظل “المعظم” يراقب البدائل ويتأثر سلبآ بأي معلومة جديدة توحي بأنه قد يكون أخطأ.

هذا الجهد الذهني المضني يسبب إرهاقآ مزمنآ يتجاوز لحظة الإختيار ليمتد إلى تكلفة عاطفية تتراكم يوميا.

نحو حلول واقعية.. بعيدآ عن النصائح التقليدية

غالبآ ما تكون النصائح من قبيل “توقف عن التفكير” غير مجدية لأنها تتجاهل البنية المعرفية المختلفة لهؤلاء الأشخاص.

إن المساعدة الحقيقية تكمن في إتباع إستراتيجيات عملية مثل

تحديد أطر زمنية صارمة لكل قرار لمنع الإسترسال الذهني.

وضع معايير مسبقة للرضا (تحديد ما هو “جيد بما يكفي”) قبل البدء في فحص الخيارات.

تقبل عدم الإرتياح كسمة طبيعية للنمط الإدراكي الخاص بهم وليس كدليل على فشل الإختيار.

إن الإدراك المفرط في التفكير لطبيعة جهازه المعرفي هو الخطوة الأولى للتصالح مع الذات وتقليل العبء النفسي الناتج عن محاولة الوصول إلى كمال مستحيل في عالم مليء بالمتغيرات.