مخاطر الذكاء الإصطناعي تدفع المستثمرين ونشرات الأسواق نحو السندات الحكومية
سواء أثبت الذكاء الإصطناعي أنه حل سحري لكل المشكلات أو أنه يمثل تهديداً وجودياً فإن حالة الهوس بالإستثمار والتمويل المحيطة به تشكل بحد ذاتها مصدر قلق بالغ
ولذلك يمكن تفهم رغبة الحكومات التي تعاني أسواق ديونها ضغوطاً شديدة سراً في حدوث تعثر في قطاع الذكاء الإصطناعي فقط لمنحها بعضاً من المساحة لإلتقاط الأنفاس ورغم أن هذا قد يكون مثالاً كلاسيكياً على مقولة إحذر مما تتمنى خاصة
إذا أخذنا في الحسبان تحذيرات صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع بشأن الإضطرابات التي قد تلحق بالأسواق والاقتصاد العالمي في حال حدوث تصحيح مفاجئ في رهانات الذكاء الإصطناعي التي تتركز بشكل مفرط
إلا أنه ظهرت مؤشرات واضحة هذا الأسبوع على أن أي بوادر لمشكلات في هذا القطاع تؤدي فوراً إلى عودة الطلب على السندات الحكومية التي باتت تجذب المستثمرين بفضل عوائد هي الأعلى منذ أكثر من عقدين
أسباب قلق أسواق السندات وتأثير الذكاء الإصطناعي
مخاطر الذكاء الإصطناعي فبطبيعة الحال تكمن الأسباب الجوهرية لقلق أسواق السندات في العجز المالي المحلي المقلق والإنقسامات السياسية الحادة
بالإضافة إلى إرتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب التي تشمل إيران ما يزيد المشهد تعقيداً ومع ذلك فقد أدى الذكاء الإصطناعي إلى زيادة قتامة آفاق السندات السيادية على مدى العامين الماضيين
حيث أسهم هذا الازدهار في رفع مؤشرات الأسهم وأحجام التداول والطلب الإقتصادي ما فاقم الضغوط التضخمية التي تواجهها البنوك المركزية وجعل أرقام الناتج المحلي الإجمالي التي كانت ضعيفة في الأساس تبدو أكثر إيجابية فضلاً عن دخوله في منافسة مباشرة مع الحكومات على جذب رؤوس الأموال الموجهة للإستثمارات ذات الدخل الثابت
وفي المقابل إذا تبين أن طفرة الذكاء الإصطناعي مبالغ فيها أو قائمة على تضخيم إعلامي فقد نشهد تدافعاً نحو السندات نتيجة لتداعيات ذلك على الإقتصاد والسياسات النقدية فضلاً عن سعي المستثمرين للبحث عن ملاذات آمنة بعيداً عن الإضطرابات في أسواق الأسهم والإئتمان
مؤشرات إضطراب القطاع وتراجع أسهم التكنولوجيا
ومن الجدير بالذكر أنه قد بدأت تلوح في الأفق مؤشرات على هذا الإحتمال ففي وقت سابق من هذا الأسبوع أدى تراجع حاد في أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية العالمية المرتبطة بالذكاء الإصطناعي
إلى موجة هبوط أوسع شملت قطاع الذكاء الإصطناعي ككل وقد إندلعت عمليات البيع هذه جزئياً بعد تصريحات هوك تان الرئيس التنفيذي لشركة برودكوم الذي أشار إلى أن المستثمرين في هذا المجال يفتقرون إلى المعرفة الكافية بالتكنولوجيا واصفاً سلوكهم بأنه أشبه بالمقامرة في الكازينو
وعلاوة على ذلك شهدت شركتا سامسونج وإس كيه هاينكس الكوريتان الجنوبيتان العملاقتان يوم الثلاثاء هبوطاً في أسهمهما بنحو عشرة بالمئة لكل منهما وأدى هذا الإضطراب الذي جاء قبيل موسم حاسم آخر لإعلان الأرباح الفصلية سواء بالنسبة لشركات التكنولوجيا العملاقة أو شركات الرقائق الإلكترونية العالمية إلى إنخفاض فوري في عوائد سندات الخزانة الأمريكية والسندات الحكومية العالمية
تحول إستراتيجي في كبرى الصناديق الإستثمارية
وبناء على ذلك ومع بدء الربع الأخير من العام بدأت بعض أكبر الصناديق الإستثمارية في العالم في تغيير مسارها حيث صرحت شركة بلاك روك أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم في وقت متأخر من يوم الاثنين بأنها خفضت توصيتها بشأن الأسهم الأمريكية من زيادة الوزن إلى محايدة
وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من ستة أشهر بسبب مخاطر التقلبات المرتبطة بالذكاء الإصطناعي وفي الوقت ذاته رفعت الشركة تصنيفها لسندات الخزانة الأمريكية بهدف تأمين عوائد دخل عند المستويات المرتفعة الحالية مع تفضيل السندات قصيرة الأجل
وفي هذا السياق أوضح كل من جان بويفين رئيس معهد بلاك روك للاستثمار وكبيرة الإستراتيجيين وي لي وريك ريدر كبير مسؤولي الإستثمار للدخل الثابت في مذكرة بحثية أن مبرر هذا التحول يعود إلى مخاطر الذكاء الإصطناعي
وما يرونه توقعات مبالغاً فيها بشأن رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي ورغم أنهم وصفوا هذه الخطوة بأنها إدارة للمخاطر قصيرة الأجل وأكدوا إستمرار تفاؤلهم بشأن الذكاء الإصطناعي على المدى الأوسع إلا أن تغيير المسار من قبل جهة ظلت لفترة طويلة شديدة التفاؤل تجاه قصة الذكاء الإصطناعي برمتها كان أمراً لافتاً للإنتباه لاسيما من حيث توقيته
التخوف من التضخم وتقييمات المستثمرين
وعلى صعيد متصل يرى العديد من مسؤولي الإحتياطي الفيدرالي أن الذكاء الإصطناعي قد يفاقم التضخم بشكل ملحوظ في المستقبل ويتزامن هذا الرأي مع تزايد القلق بشأن المبالغة في تقييمات الأسهم وتوقعات الأرباح وعمليات التمويل المتبادل داخل القطاع وطبيعة الإستخدام النهائي بل وحتى المعارضة السياسية المحتملة لبناء مراكز البيانات في ظل إقتراب موعد إنتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة
ونتيجة لذلك كشف المسح الشهري لمديري الصناديق العالمية الذي أصدره بنك أوف أمريكا هذا الأسبوع عن ملامح مزاج المستثمرين حيث ظلوا بشكل عام متفائلين للغاية ومع ذلك ظهرت بعض المؤشرات على بدء تشتت هذا التوجه الجماعي إذ لا يزال المستثمرون يعدون أن أكثر مركزين استثماريين ازدحاماً في العالم هما شراء أسهم شركات أشباه الموصلات العالمية وبيع سندات الخزانة الأمريكية
نقطة تحول وإنفراجة متوقعة للحكومات
وحتى مع وجود إجماع على أن عوائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات ستواصل الارتفاع قبل أن تبلغ ذروتها بزيادة إضافية قدرها خمسة وستون نقطة أساس في المتوسط إلا أن تفاصيل الإستطلاع أظهرت أن شريحة كبيرة قد غيرت رأيها بالفعل معتبرة أن إنتظار بلوغ ذروة العوائد لم يعد مجدياً
وفي حين رأى أكثر من ثلث المشاركين أن الوقت المناسب للتحول من الأسهم إلى السندات لن يحين إلا عندما تصل عوائد السندات لأجل عشر سنوات إلى ستة بالمئة إعتبر نحو خمس المشاركين أننا وصلنا بالفعل إلى نقطة تحول وإذا ما شهدنا تراجعاً في أكثر المراكز الإستثمارية إزدحاماً من الآن وحتى نهاية العام فقد يحدث تدافع لتثبيت العوائد طويلة الأجل المتاحة حالياً
قبل أن تتلاشى ختاماً قد يشكل ذلك لحظة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للاستقرار المالي لا سيما في ظل الرهانات الكبيرة المعقودة على قطاع الذكاء الإصطناعي لكن حتى حدوث هزة بسيطة قد يمثل انفراجة كبيرة للحكومات التي تبحث عن مساحة للمناورة في ميزانياتها المثقلة بالأعباء خاصة وهي مقبلة على سلسلة طويلة من الإنتخابات خلال العام المقبل .














