تأثير الصوت الداخلي على صحة الدماغ وعلاقة الحديث السلبي بالتدهور المعرفي

الصحة والجمال

استمع الي المقالة
0:00

تأثير الصوت الداخلي على صحة الدماغ وعلاقة الحديث السلبي بالتدهور المعرفي

لا يتوقف الإنسان عن محاورة نفسه في مونولوج داخلي مستمر طوال اليوم ولكن السؤال الذي يطرحه العلم الحديث هو هل يمكن لهذا الحوار أن يتجاوز كونه مجرد كلمات عابرة ليصبح عاملاً مؤثراً في البنية البيولوجية للدماغ؟

تشير الأبحاث العلمية المتخصصة إلى أن نمط التفكير السلبي المزمن ليس مجرد حالة نفسية مؤقتة بل قد يكون مرتبطاً بتراجع ملموس في الذاكرة والقدرات المعرفية على المدى الطويل.

وظيفة الحديث الداخلي في المنظور العلمي

تأثير الصوت الداخلي فيعتقد الكثيرون أن الحديث مع الذات ظاهرة غريبة بينما يراها علماء الأعصاب وظيفة طبيعية وأساسية للدماغ إذ نستخدم اللغة داخلياً لتنظيم سلوكنا اليومي وإتخاذ القرارات المعقدة وتصحيح الأخطاء.

ومن الناحية التشريحية أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن مناطق في القشرة الجبهية الأمامية تنشط بوضوح أثناء الحديث الذاتي وهي المنطقة ذاتها المسؤولة عن التخطيط والتحكم وضبط الإنفعالات مما يعني أن كلماتنا الداخلية هي المحرك الأساسي لأفعالنا.

نتائج دراسة كلية لندن الجامعية حول التفكير السلبي
بناءً على دراسة طويلة المدى أجراها باحثون في “كلية لندن الجامعية” ونُشرت في مجلة “Frontiers in Psychology” تبين أن هناك إرتباطاً خطيراً بين الإجترار الذهني وصحة العقل.

شملت الدراسة أكثر من 360 شخصاً تجاوزوا الخامسة والخمسين من عمرهم حيث كشفت النتائج أن المشاركين الذين عانوا من القلق المستمر والإجترار السلبي لسنوات طويلة سجلوا تراجعاً واضحاً في الذاكرة والمرونة المعرفية.

والجدير بالذكر أن فحوصات الدماغ أظهرت لدى بعضهم ترسبات بروتينية تعد من المؤشرات الحيوية المرتبطة بأمراض تنكسية مثل ألزهايمر مما يدق ناقوس الخطر حول طبيعة أفكارنا اليومية.

كيف تتحول الفكرة السلبية إلى أثر بيولوجي مدمر
يتساءل العلماء عن الكيفية التي تترجم بها الفكرة إلى ضرر عضوي ويطرحون ثلاثة مسارات رئيسية أولها التوتر المزمن الذي يؤدي إلى إرتفاع هرمون الكورتيزول مما يسبب ضموراً في “الحُصين” وهو المركز الرئيسي للذاكرة.

وثانيهما هو الإرهاق العصبي حيث إستنزاف الموارد التنفيذية للقشرة الجبهية في ملاحقة الأفكار السوداوية مما يضعف الإنتباه.

أما المسار الثالث فيتمثل في الإلتهاب منخفض الدرجة الذي يعززه التوتر المستمر ويؤثر سلباً على خلايا الدماغ بمرور الوقت.

قسوة الذات وإستبطان الأصوات السلطوية

من الملاحظ أن الكثير من البشر يتعاملون مع أنفسهم بنبرة قاسية لا يمكن أن يقبلوها من الآخرين ويرجع علماء النفس ذلك إلى أن الصوت الداخلي غالباً ما يكون صدى لأصوات سلطوية قديمة من الأهل أو المعلمين تم إستبطانها لتصبح جزءاً من الهوية.

ومع تكرار هذه القسوة يعتاد الدماغ هذا النمط ويبدأ في تصديقه كحقيقة مطلقة مما يحول الفكرة إلى قناعة عصبية شبه تلقائية تؤثر على رؤيتنا للواقع بأكمله.

خطوات التحول من اللوم إلى الحل

إن التحول نحو حوار داخلي صحي لا يتطلب ثورة شاملة بل يحتاج إلى تعديلات طفيفة في صياغة الجمل فبدلاً من قول “أنا فاشل” يمكن إستبدالها بعبارة “لم أوفق هذه المرة” وبدلاً من “لن أنجح أبداً” يمكن قول “لم أجد الطريقة المناسبة بعد“.

إن هذه التغييرات اللفظية لا تبدل الواقع الخارجي لكنها تغير طريقة إستجابة الدماغ له وتمنحه فرصة للنمو بدلاً من الإنغلاق.

وفي الختام يجب أن ندرك أن الدماغ يصغي دائماً لما نقوله بصمت وأن كلماتنا الصامتة هي التي ترسم ملامح قدراتنا الذهنية في المستقبل.