في إنجاز علمي يُبشر بثورة في مجال الحوسبة والذكاء الاصطناعي، أعلن باحثون عن اكتشاف مادة جديدة تُظهر خصائص تُحاكي “الذاكرة” في الدماغ البشري. هذه المادة، التي تُعرف باسم “الميمريستور” (Memristor)، تُعد خطوة هامة نحو تطوير جيل جديد من الرقائق الإلكترونية التي تُقلد طريقة عمل الخلايا العصبية (النيورونات) والمشابك العصبية (السينابس) في الدماغ، مما يُمهد الطريق لحوسبة عصبية (Neuromorphic Computing) أكثر كفاءة وقوة.
لطالما كان العلماء يُحاولون تجاوز قيود بنية “فون نيومان” التقليدية في أجهزة الكمبيوتر، حيث تُفصل وحدة المعالجة المركزية عن الذاكرة، مما يُسبب “اختناق البيانات” ويُقلل من الكفاءة، خاصة في مهام الذكاء الاصطناعي المعقدة. الدماغ البشري، على النقيض، يُعالج ويُخزن المعلومات في نفس المكان (الخلايا العصبية والمشابك)، مما يجعله فعالًا بشكل لا يُصدق في التعلم ومعالجة البيانات المتوازية.
تُقدم المادة المكتشفة حديثًا خصائص فريدة تُمكنها من محاكاة هذه الوظيفة الدماغية:
- الذاكرة غير المتطايرة (Non-Volatile Memory): على عكس ذاكرة الوصول العشوائي (RAM) التي تفقد بياناتها عند إيقاف التشغيل، تحتفظ هذه المادة بحالتها الكهربائية (التي تُمثل “الذاكرة”) حتى بعد فصل الطاقة. هذا يُحاكي كيف تُخزن المشابك العصبية المعلومات بشكل دائم.
- تغيير المقاومة بناءً على التاريخ (Resistance based on History): الميزة الأهم هي أن مقاومة المادة الكهربائية تتغير بناءً على تاريخ التيار الكهربائي الذي مر عبرها. هذا يُشبه كيف تُقوى أو تُضعف المشابك العصبية في الدماغ بناءً على تكرار الإشارات، وهي الآلية الأساسية للتعلم والذاكرة.
- التعلم في الموقع (In-situ Learning): تُمكن هذه الخاصية من إجراء عمليات التعلم والمعالجة مباشرة داخل المادة نفسها، بدلاً من نقل البيانات ذهابًا وإيابًا بين المعالج والذاكرة. هذا يُقلل بشكل كبير من استهلاك الطاقة ويُسرع من عمليات الذكاء الاصطناعي.
- الكفاءة في مهام الذكاء الاصطناعي: تُعد هذه المواد مثالية لتطوير رقائق مُخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل التعرف على الأنماط، معالجة اللغة الطبيعية، والرؤية الحاسوبية. يُمكنها معالجة كميات هائلة من البيانات بكفاءة طاقة أعلى بكثير من المعالجات التقليدية.
يُعد هذا الاكتشاف خطوة هامة نحو تحقيق الحوسبة العصبية على نطاق واسع. فبدلاً من برمجة أجهزة الكمبيوتر لتقليد الدماغ، تُمكن هذه المواد من بناء أجهزة كمبيوتر تعمل مثل الدماغ. هذا لا يُبشر فقط برقائق ذكاء اصطناعي أكثر قوة وكفاءة، بل قد يُفتح الباب أمام فهم أعمق لكيفية عمل الدماغ البشري نفسه.
على الرغم من أن هذه التقنية لا تزال في مراحل البحث والتطوير المبكرة، إلا أن الإمكانات هائلة. يُمكن أن تُؤدي إلى أجهزة ذكاء اصطناعي مُدمجة في كل مكان، قادرة على التعلم والتكيف بشكل مستمر، مما يُحدث ثورة في مجالات الروبوتات، السيارات ذاتية القيادة، الطب، وغيرها الكثير. إنه عصر جديد من الحوسبة على وشك البدء.














