باعلبك: مدينة الشمس ولغز الأحجار التي لا تقبل الرفع
في الأرشيف الأثري، تُعرف باعلبك (هليوبوليس القديمة) بكونها تضم أضخم المعابد الرومانية التي بُنيت على الإطلاق، مثل معبد “جوبيتر” ومعبد “باخوس”. لكن المثير للدهشة ليس في الأعمدة الرومانية الشاهقة فحسب، بل في القاعدة الهيكلية (Platform) التي بُنيت فوقها هذه المعابد. هنا نجد “أحجار التريليثون” (Trilithon)، وهي ثلاث كتل حجرية هائلة يزن كل منها حوالي 800 طن، وُضعت بدقة متناهية على ارتفاع 7 أمتار فوق سطح الأرض، مما يطرح سؤالاً أرّق المهندسين: كيف استطاع القدماء تحريك ورفع أوزان تعجز عنها أضخم الرافعات الحديثة؟
1. أحجار التريليثون: معجزة الوزن والقياس
تقع هذه الأحجار الثلاثة في الجدار الغربي لمنصة معبد جوبيتر. المذهل ليس فقط وزنها (800 طن لكل منها)، بل طولها الذي يصل لـ 19 متراً.
في الأرشيف الهندسي، يتطلب تحريك حجر بهذا الوزن قوة دفع هائلة وتنسيقاً بشرياً يفوق قدرة الآلاف من العمال. والأكثر غرابة هو وجود حجر رابع لا يزال في المقلع القريب (يُعرف بحجر الحبلى)، يزن حوالي 1000 طن، وحجر آخر اكتُشف مؤخراً يزن 1650 طناً. بقاء هذه الأحجار في المقلع يوحي بأن المشروع كان يهدف لبناء شيء يفوق كل تصوراتنا الحالية عن العمارة القديمة.
2. لغز النقل والرفع: التكنولوجيا المفقودة
يطرح الأرشيف الميكانيكي عدة فرضيات حول كيفية نقل هذه الكتل لمسافة كيلومتر من المقلع إلى موقع المعبد:
-
المنحدرات والبكرات: النظرية التقليدية تفترض استخدام آلاف العمال ومنحدرات ترابية ضخمة، لكن المساحة الجغرافية المحيطة بالمعبد لا تسمح ببناء منحدرات بهذا الحجم والزاوية.
-
الروافع الخشبية: الرومان اشتهروا باستخدام الروافع (Polyspastos)، لكن أقصى وزن يمكن أن ترفعه أقوى رافعة رومانية كان حوالي 6 أطنان. لرفع 800 طن، سنحتاج إلى مئات الرافعات تعمل في تزامن مستحيل في مساحة ضيقة جداً.
-
التقنيات الصوتية أو المغناطيسية: يذهب بعض الباحثين في الأرشيف البديل إلى افتراض وجود “تكنولوجيا مفقودة” تعتمد على الترددات الصوتية لإلغاء الجاذبية مؤقتاً، وهي فرضية يغذيها عدم وجود أي سجلات مكتوبة تشرح طريقة البناء.
3. ما قبل الرومان: الطبقات التاريخية المتداخلة
هناك جدل واسع في الأرشيف التاريخي حول هوية البناة الحقيقيين. فبينما المعابد العلوية رومانية بلا شك، يعتقد البعض أن القواعد الحجرية العملاقة (الميغاليثية) تعود لحضارة أقدم بكثير وربما أكثر تقدماً تقنياً. التباين في حجم الأحجار ودقة النحت بين القاعدة والمنشآت العلوية يشير إلى أن الرومان ربما “أعادوا استخدام” منصة أثرية كانت موجودة بالفعل، ونسبوا العظمة لأنفسهم.
4. باعلبك كمركز كوني
في الأرشيف الروحي، لم تكن باعلبك مجرد مركز ديني، بل كانت “نقطة اتصال” بين الأرض والسماء. ضخامة الأحجار كانت تهدف لتجسيد “قوة الآلهة” وخلود الإمبراطورية. البناء بهذه الأحجار الضخمة يضمن بقاء الأثر لآلاف السنين، وهو ما حدث بالفعل؛ فبينما انهارت معظم المدن الرومانية، ظلت أحجار باعلبك ثابتة في مكانها، تتحدى الزلازل والزمن، وكأنها تريد إخبارنا بأن التاريخ الذي نعرفه ليس إلا قشرة سطحية لحقائق أعمق.
الخلاصة المعرفية: باعلبك هي “فجوة” في منطقنا التاريخي. إنها المكان الذي يتوقف فيه المهندس الحديث ليتساءل عن حدود القدرة البشرية. في هذا الأرشيف، ندرك أن الماضي لم يكن “بدائياً” بالضرورة، بل ربما سلك مسارات علمية مختلفة تماماً عن مسارنا الحالي. تظل أحجار التريليثون واقفة كشاهد صامت على “عصر العمالقة” أو “عصر العبقرية المفقودة”، محرضة عقولنا على إعادة التفكير في كل ما نعرفه عن أصول التكنولوجيا.












