![]()
حجة المطرب البليد مسح التختة.
رغم أنني لا أعتبر أن الأرقام في علاقتها بالفن هي الترمومتر الوحيد، ولا هي أيضاً العامل الحاسم، فإنني في نفس الوقت أرفض تماماً من يتعامل مع الرقم باستخفاف، أكثر الكتب مبيعاً وأكثر الأفلام التي تحقق رواجاً في دور العرض، وأهم المطربين الذين يحققون أعلى الإيرادات في الحفلات، يجب أن نتأمل تلك الأرقام، ونقرأ ما ترمي، ولا نغفل أبداً أننا عندما نسخر من لون فني له جمهور، فإن هذا يعني أننا نسخر أساساً من الجمهور.
أتذكر أنهم في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، عندما بدأ نجم إسماعيل ياسين يعلو في السينما وحتى قبل أن يصبح هو النجم الأول للأفلام، ورغم ذلك كانوا يحذّرون أولياء الأمور من ترك أطفالهم يذهبون للسينما لمشاهدة إسماعيل ياسين، خوفاً عليهم من الإصابة بالعته والتخلف العقلي، الآن إسماعيل لا يزال هو الوجبة الكوميدية المفضّلة لدى أطفال هذا الزمن.
هذا الموقف يذكّرني بما نراه من هجوم ضار على ما دأبنا على وصفهم بمطربي المهرجانات، بحجة حماية المجتمع، من التردي والانهيار.
كان مجلس الشعب المصري مدركاً تفاصيل ما يجري في الشارع، ولهذا أوقف المخطط الذي كان يحرّكه نقيب المهن الموسيقية هاني شاكر، ليصبح هو (القبضة الحديدية) المسيطرة على الحياة الغنائية، من خلال منح النقابات الفنية الضبطية القضائية، الأغلبية تصدت تحت قبة البرلمان لهذا المخطط الشرير.
نتابع (السوشيال ميديا)، ونجد العديد من المطربين الموقوفين، وهم يستعطفون هاني بالصفح والمغفرة، ينعتونه مرة بأمير الغناء، ويشيرون في أخرى إلى أنهم مثل أبنائه، إلا أنه أبداً لا يلين، ويزداد إصراراً على أن العقاب أبدي.
هناك فريق من المطربين الذين صاروا (خارج نطاق الخدمة) ينتظرون أن يبحث عنهم الناس في الحفلات والأفراح بعد منع مطربي المهرجانات، لا أنكر أن هناك قطاعاً من الجمهور يعتقد أنه لو منعت تلك الأغاني مهما كان المسمى (مهرجانات) أو (شعبيات) أو (راب) أو غيره، سينصلح مباشرة ليس فقط حال الغناء، لكن حال الدنيا كلها.
هذا هو ما نجحت النقابة في تصديره للرأي العام، وتأكيده، كثيراً ما أتساءل هل في الدنيا ما يمكن أن نُطلق عليه فناً نموذجياً؟ إجابتي هي لا، العمل الفني لا يخضع لهذا النوع من التقييم، المرجعية (النموذجية) ليست ثابتة، بل هي (زجزاجية)، دعونا نفترض أن هناك بالفعل ما يطلق عليه نموذجياً، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يطرح كل المطربين والملحنين والشعراء (الرافضين مستوى الغناء الآن) أغنيات تنطبق عليها الشروط القياسية، ويقدمونها للناس، بالتالي تطرد الأغنية الجيدة الأغنية الرديئة.
قرار المنع بات في هذا الزمن مستحيلاً، والنقابة لن تستطيع منع الدول العربية، وأيضاً غير العربية من استقبالهم، ومثل هذه الحفلات تخترق كل حواجز المصادرة، ويشاهدها الناس عبر كل الفضائيات.
(حجة البليد مسح التختة)، هذا هو المثل الذي كنا نردده في طفولتنا، وأيضاً حجة غير القادر على الدخول في منافسة، إصدار قرارات متتالية بالمنع، بدلاً من أن يشحن الفنان الذي بات بعيداً عن الجمهور بطارية إبداعه مجدداً.
تستطيع أن ترى العديد من كلمات التنمر تنال من هؤلاء المطربين، تبدأ بالسخرية من أسمائهم كسبرة وحنجرة وفيفتي وعنبه، كما أنهم يفرّقون في التعامل بين مطربي (المهرجانات) ومطربي (الراب)، وافقت النقابة مؤخراً على اعتماد مطربي (الراب)، وأشهرهم (ويجز)، بحجة أنه خريج جامعة أمريكية، ويجيد لغات.
ما بُني على باطل فهو باطل. ملحوظة لست من جمهور مطربي المهرجانات، لكن من حق جمهورهم أن يستمتع بهم، وعلى النقابة ورئيسها هاني شاكر إذا كانوا قادرين حقاً على تقديم البديل الغنائي، أن يجعلوا الشارع يردد أغانيهم، بدلاً من البكاء على أطلال زمن ولّى ولن يعود، إنهم مع الأسف لا يفعلون شيئاً حالياً سوى (مسح التختة).













