لماذا يُصبح كبار السن الفئة الأكثر عُرضة لِدرجات الحرارة المرتفعة..حر الصيف

الصحة والجمال

استمع الي المقالة
0:00

حر الصيف وخطر الصمت: لماذا يُصبح كبار السن الفئة الأكثر عُرضة لِدرجات الحرارة المرتفعة؟ وكيف نحميهم بفاعلية؟

 

مع كل صيف، ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، يُصبح الحديث عن الحر الشديد ومخاطره أمرًا لا مفر منه. وبينما تُؤثر الحرارة المُرتفعة على الجميع، إلا أن هناك فئة من السكان تُصبح أكثر عُرضة بشكل خاص لِأضرارها الخطيرة: هم كبار السن. فما قد يبدو مُجرد إزعاج لِشاب في ريعان شبابه، يُمكن أن يُصبح تهديدًا حقيقيًا للحياة لِشخص مسن. إن الفروقات الفسيولوجية، التغيرات الصحية المُصاحبة للشيخوخة، والعوامل البيئية والاجتماعية تُجعل كبار السن في طليعة المُتضررين من موجات الحر، مُعرضين لخطر الجفاف، الإرهاق الحراري، وحتى ضربة الشمس المُميتة. الوعي بهذه الأسباب وكيفية التفاعل معها يُعد أمرًا حيويًا لِحماية أحبائنا من هذه المخاطر الصامتة.

دعنا نتعمق في الأسباب الجذرية التي تجعل كبار السن أكثر عُرضة لِأضرار الحرارة المرتفعة، ونُفصل كيف يُمكن لهذه الأسباب أن تُؤثر على أجسامهم، والأهم من ذلك، ما هي الاستراتيجيات الفعّالة والعملية لِحمايتهم وضمان سلامتهم خلال أشهر الصيف الحارة.


 

1. الأسباب الفسيولوجية: تغيرات طبيعية تُفقد الجسم قدرته على التكيف

 

تُعاني أجسام كبار السن من تغيرات طبيعية مُرتبطة بالشيخوخة تُقلل من كفاءتها في تنظيم درجة الحرارة:

  • ضعف آليات تنظيم الحرارة الطبيعية:
    • نقص التعرق: مع التقدم في العمر، تُصبح الغدد العرقية أقل نشاطًا وكفاءة في إنتاج العرق، وهو الآلية الأساسية للجسم لِتبريد نفسه عن طريق التبخر. هذا يُقلل من قدرة الجسم على خفض درجة حرارته بفعالية.
    • انخفاض الإحساس بالعطش: يُصبح مركز العطش في الدماغ أقل حساسية مع التقدم في العمر، مما يعني أن كبار السن قد لا يشعرون بالعطش الكافي لِشرب السوائل حتى لو كانوا يُعانون من الجفاف، مما يُعرضهم لخطر الجفاف الشديد.
    • انخفاض قدرة الأوعية الدموية على التمدد والانقباض: تُفقد الأوعية الدموية مرونتها، مما يُقلل من قدرتها على التمدد لِزيادة تدفق الدم إلى الجلد لِتبديد الحرارة، أو الانقباض لِالحفاظ على حرارة الجسم في البرد.
    • تغيرات في تكوين الجسم: تُقلل نسبة العضلات وتُزيد نسبة الدهون، مما يُؤثر على الأيض الحراري.
  • نقص مخزون الماء في الجسم: مع التقدم في العمر، يقل مُجمل نسبة الماء في الجسم، مما يجعل كبار السن أكثر عُرضة للجفاف حتى مع فقدان كميات قليلة من السوائل.

 

2. الأسباب الصحية: الأمراض والأدوية تُضاعف الخطر

 

يُعاني العديد من كبار السن من حالات صحية مُزمنة ويتناولون أدوية مُعينة، وكِلاهما يُمكن أن يُفاقم خطر أضرار الحرارة:

  • الأمراض المزمنة:
    • أمراض القلب والأوعية الدموية: مثل ارتفاع ضغط الدم، قصور القلب، وأمراض الشريان التاجي. هذه الحالات تُجعل القلب يعمل بجهد أكبر لِضخ الدم، وارتفاع الحرارة يُزيد من هذا العبء، مما يُمكن أن يُؤدي إلى نوبات قلبية أو سكتات دماغية.
    • السكري: يُؤثر على الأعصاب التي تُنظم التعرق، ويُزيد من خطر الجفاف.
    • أمراض الكلى: تُضعف قدرة الكلى على تنظيم توازن السوائل والأملاح في الجسم.
    • أمراض الجهاز التنفسي: مثل الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن، قد تتفاقم في درجات الحرارة المرتفعة والهواء الرطب.
    • الخرف والزهايمر: قد لا يتمكن المُصابون بهذه الأمراض من إدراك شعورهم بالحرارة أو التعبير عن عطشهم، أو قد ينسون شرب الماء بانتظام.
  • الأدوية:
    • مُدرات البول (Diuretics): تُستخدم لعلاج ارتفاع ضغط الدم أو قصور القلب، وتُزيد من إفراز السوائل من الجسم، مما يُسرع من الجفاف.
    • مُضادات الهيستامين (Antihistamines): قد تُقلل من التعرق.
    • مُضادات الاكتئاب وبعض أدوية الأمراض النفسية: تُمكن أن تُؤثر على قدرة الجسم على تنظيم درجة الحرارة أو تُسبب جفاف الفم.
    • حاصرات بيتا (Beta-blockers): تُستخدم لِعلاج أمراض القلب، وقد تُؤثر على تدفق الدم إلى الجلد.
    • مُضادات الكولين (Anticholinergics): تُقلل من التعرق.

 

3. الأسباب الاجتماعية والبيئية: عوائق تُزيد من التعرض للخطر

 

ليست الأسباب فسيولوجية وصحية فقط؛ فالعوامل البيئية والاجتماعية تُلعب دورًا كبيرًا في زيادة تعرض كبار السن للخطر:

  • العزلة الاجتماعية: بعض كبار السن يعيشون بمفردهم أو معزولين، مما يعني عدم وجود من يُلاحظ عليهم علامات الضيق أو يُساعدهم في الوصول إلى بيئة باردة أو يُشجعهم على شرب الماء.
  • الوضع الاقتصادي: قد لا يتمكن بعض كبار السن من تحمل تكاليف تكييف الهواء أو فواتير الكهرباء المرتفعة، مما يُجبرهم على البقاء في بيئات حارة.
  • عدم القدرة على الحركة: قد تُعيق المشاكل الحركية كبار السن من التحرك إلى أماكن أكثر برودة، أو فتح النوافذ، أو حتى الوصول إلى كوب الماء.
  • نوع السكن: المنازل غير المُجهزة بتهوية جيدة أو تكييف الهواء تُشكل خطرًا أكبر.
  • نقص الوعي: قد لا يُدرك كبار السن أو مقدمو الرعاية لهم مدى خطورة الحرارة عليهم.

 

4. كيف نحمي كبار السن من أضرار الحرارة المرتفعة؟ استراتيجيات عملية وفعّالة

 

تتطلب حماية كبار السن نهجًا شاملًا ومُتعدد الجوانب يُركز على الترطيب، التبريد، والرعاية المُستمرة:

  • أ. الترطيب المُستمر:
    • شرب السوائل بانتظام: شجعهم على شرب الماء بانتظام، حتى لو لم يشعروا بالعطش. يُمكن تقديم كوب ماء كل ساعة.
    • تجنب المشروبات المُجففة: قلل من القهوة، الشاي، والمشروبات الغازية الغنية بالسكر والكافيين، والتي تُمكن أن تُزيد من فقدان السوائل.
    • المشروبات الغنية بالشوارد: قد تكون المشروبات الرياضية المُخففة، أو ماء جوز الهند، أو العصائر الطبيعية المُخففة بالماء، مُفيدة لِتعويض الأملاح المفقودة.
    • الأطعمة الغنية بالماء: قدم الفواكه والخضروات الغنية بالماء مثل البطيخ، الشمام، الخيار، والخس.
  • ب. تبريد البيئة المحيطة:
    • التحكم في درجة الحرارة: استخدم مُكيف الهواء أو المراوح. إذا لم يكن ذلك مُمكنًا، شجعهم على قضاء الوقت في الأماكن المُكيفة (المراكز التجارية، المكتبات، مراكز كبار السن).
    • الحفاظ على برودة المنزل:
      • أغلق الستائر والنوافذ خلال ساعات الذروة (أكثر فترات اليوم حرارة).
      • افتح النوافذ ليلًا إذا كانت درجة الحرارة أقل.
      • استخدم المراوح لِتحريك الهواء.
      • ضع أوعية من الثلج أمام المروحة لِتبريد الهواء المُتدفق.
    • الحمامات الباردة أو الفاترة: شجعهم على أخذ حمامات باردة أو فاترة، أو استخدام المناشف الرطبة الباردة على الرقبة، الرسغين، أو تحت الإبط.
  • ج. تغيير نمط الحياة والسلوكيات:
    • الملابس المُناسبة: ارتدِ ملابس خفيفة، فضفاضة، وفاتحة اللون، ومصنوعة من مواد طبيعية تسمح بمرور الهواء.
    • تجنب الخروج في ذروة الحرارة: شجعهم على البقاء في المنزل بين الساعة 10 صباحًا و4 مساءً. إذا كان الخروج ضروريًا، فليكن في الصباح الباكر أو في المساء.
    • تقليل النشاط البدني المُجهد: قلل من الأنشطة البدنية المُجهدة خلال الأيام الحارة.
    • التعرف على علامات الخطر: علم كبار السن ومقدمي الرعاية علامات وأعراض الإرهاق الحراري وضربة الشمس.
  • د. الرعاية والمراقبة:
    • التواصل المُنتظم: إذا كان كبار السن يعيشون بمفردهم، يجب على الأهل، الأصدقاء، أو الجيران زيارتهم أو الاتصال بهم بانتظام لِلتأكد من سلامتهم.
    • مراجعة الأدوية: استشر الطبيب حول الأدوية التي يتناولها المُسن وما إذا كانت تُزيد من خطر التعرض للحرارة، وهل يُمكن تعديل الجرعات أو الأوقات خلال الصيف.
    • توفير وسائل الاتصال: تأكد من أن لديهم وسيلة اتصال في متناول اليد في حالات الطوارئ.
    • تثقيفهم: اشرح لهم بوضوح مخاطر الحرارة وكيفية حماية أنفسهم.

 

الخلاصة: مسؤولية مُشتركة لِصحة كبارنا

 

إن أضرار الحرارة المرتفعة على كبار السن هي قضية صحية عامة تتطلب اهتمامًا مُركزًا ومسؤولية مُشتركة من الأفراد، العائلات، والمجتمعات. فالتغيرات الفسيولوجية الطبيعية المُصاحبة للشيخوخة، بالإضافة إلى الأمراض المزمنة والأدوية، تُجعلهم في وضع حرج في مواجهة موجات الحر. لكن من خلال فهم هذه الأسباب وتطبيق استراتيجيات وقائية مُبكرة وفعّالة – من الترطيب المُستمر وتبريد البيئة إلى المراقبة الدورية وتوعيتهم – يُمكننا أن نُوفر لهم الحماية اللازمة لِاجتياز فصل الصيف بسلام. حماية كبار السن ليست مُجرد واجب، بل هي تعبير عن تقديرنا لخبرتهم وعطائهم، واستثمار في صحة مُجتمعنا بأكمله.