

توماس إديسون .. غبي ثم عبقري ثم لص إختراعات ثم أكبر مخترع في تاريخ البشرية.
كتب : سارة بدران
عاد الطفل إلى المنزل قال لأمه: هذه رسالة من إدارة المدرسة.
قاومت الأم دموعها، وهي تقرأ الرسالة لطفلها بصوت عالٍ: “ابنك عبقري والمدرسة صغيرة عليه وعلى قدراته، عليك أن تعلميه في المنزل”.
مرّت السنوات وتوفيت والدته. وفي أحد الأيام وهو يقوم بالبحث في خزانة أمه عثر على رسالة كان نصها: “ابنك غبي جداً، فمن صباح غد لن نُدخله المدرسة”. بكى كثيراً وبعدها كتب في دفتر مذكراته: “إديسون كان طفلاً غبياً، ولكن بفضل والدته الرائعة تحوّل إلى عبقري وأكبر مخترع في تاريخ البشرية”.
إنه توماس إديسون الرجل الذي أضاء العالم هل هو عبقري حقاً أم لص اختراعات؟ توماس البعض يراه أعظم المخترعين في تاريخ البشرية، فهو العبقري صاحب الألف اختراع، الذي أضاء العالم بمصباحه الكهربائي.
والبعض الآخر يراه رجل أعمال ذكياً ولص اختراعات محترفاً، عرف كيف يحول الأفكار والاختراعات إلى آلات حقيقية مفيدة للبشرية.
وبين هذا وذلك يبقى توماس إديسون أحد أعظم العقول البشرية على الإطلاق، التي أسهم في تحقيق البشر لقفزات خارقة نحو الحضارة والعلم.
ولد توماس إديسون بأوهايو عام 1847، وكان الطفل السابع والأخير لأبويه، كما كان ضمن ثلاثة أطفال فقط بقوا على قيد الحياة في مرحلة الطفولة المبكرة.
كبر وترعرع إديسون مع أخ واحد وأختين، لكن اضطر والده صموئيل إديسون إلى أن يسافر إلى الولايات المتحدة هرباً من اعتقاله، وذلك لأنه ثار علناً ضد الحكم البريطاني عندما كان في كندا مسقط رأسه.
كان توماس إديسون طفلاً فضولياً جداً، ويسأل باستمرار، وكلها تساؤلات عن العالم من حوله، وفى سن السبع سنوات أصيب إديسون بالحمى القرمزية، وهو المرض الذي ربما أسهم في فقدان السمع للمخترع المستقبلي بطريقة تدريجية.
بدأ إديسون الذهاب إلى المدرسة، لكنه حضر هناك فقط بضعة أشهر، ويرجع ذلك إلى أستاذه الذي كان لا يوافق على أسئلة إديسون الكثيرة، التي كانت مصدر إزعاج له.
وأشار إليه بأنه (فاشل)، فاستاء إديسون كثيراً وركض إلى المنزل، لكي يحكي لوالدته ما حدث معه، فقررت أن تسحب ابنها سريعاً من المدرسة.
وقررت أنها سوف تقوم بتعليمه في المنزل، فهي كانت مدرسة سابقة، وبالفعل بدأت في تقديم أعمال لشكسبير وديكنز إلى ابنها، كما أنها قدمت له العديد من الكتب العلمية، وشجعه والده كثيراً على فعل ذلك.
فكان يدفع له فلساً لكل كتاب يقرأه، مما ساعد إديسون على امتصاص الكثير من المعرفة في سن مبكرة.
كُتب العلم التي قرأها إديسون كانت سبباً في أنه يستوحي بعض الأفكار، مثل إنشاء مختبره الأول في قبو والديه، فقام بادخار العديد من البنسات لكي يشتري بهم بطاريات وأنابيب اختبار، ومواد كيميائية، وكان سعيد الحظ حيث قامت والدته بدعمه كثيراً، ولم تغلق المختبر حتى وإن حدث انفجار صغير أو تسرب لأي مواد كيميائية.
لكن تجارب إديسون لم تنته عند هذا الحد، إنما بدأ مع صديق له في خلق نظام خاص بالتليغراف، وكانت هذه التجربة تكملة لاختراع صموئيل مورس عام 1832، لكنهم لم ينجحوا من المرة الأولى، فبعد عدة محاولات باءت بالفشل استطاعوا أن ينجحوا أخيراً، وأن يرسلوا ويستقبلوا الإشارات والرسائل على الجهاز.
أقنع إديسون البالغ من العمر 12 عاماً فقط والديه بالسماح له بالحصول على وظيفة في السكك الحديدية، فعمل صبي بائع للصحف للركاب الموجودين بالقطار.
وبمجرد بداية الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861، بدأ توماس إديسون في طريقه ليكون رجل أعمال، فأعماله التجارية أخذت شكلاً وانطلاقة حقيقية، فبدأ شراء الصحف لمواكبة أحدث الأخبار عن القتال والحرب، ليحصل بفكر ذكي على الحق الحصري في بيع هذه الصحف، هذا العمل البسيط جعل إديسون ينطلق للعديد من المشاريع الريادية.
كما أنها جعلته يكتشف مواهبه كرجل أعمال، ليعمل بعدها فترة من الزمن كمشغل تليغراف، لكن لسوء الحظ أنه كان يفقد السمع بالتدريج، مما أثر في قدرته على هذا العمل.
كان إديسون يتوق دائماً إلى تحد أكبر، فهو دائماً حريص على تطوير معرفته العلمية، فعمل إديسون على دراسة التجارب القائمة على الكهرباء لتبدأ انطلاقة إديسون في عالم الاختراعات التي بدأت باختراعه أول آلة تليغراف، وليس هذا فقط، بل اخترع أيضاً آلة تسجيل الأصوات.
وكانت لهذه الآلة قصة غريبة، فعندما أخبر مساعديه أنه ينوي اختراع آلة تتكلم سخروا منه، ولكن بعد 30 ساعة من العمل المتواصل فاجأ إديسون العالم باختراع أول آلة تسجل الأصوات، وكان هذا غريباً على العالم، لدرجة أنهم أطلقوا عليه اسم “الساحر”.
كان إديسون أول من فكّر في اختراع جهاز ينقل الكلام عبر الأسلاك رغم أن العالم آخر سبقه في اختراع أول هاتف، لكن إديسون عام 1879 اخترع الهاتف الكهربي، فكان هذا العام بداية لتغيير العالم.
ولم يمض الكثير حتى اخترع إديسون الاختراع الذي سبب شهرته حتى الآن، وهو المصباح الكهربي، بدأت قصة اختراع المصباح الكهربائي حين مرضت والدته مرضاً شديداً، فقرر الطبيب أن يجري لها عملية جراحية فورية، لكن هناك مشكلة لأن الوقت كان ليلاً، ولا يوجد ضوء كاف ليرى الطبيب ما يفعل في هذه العملية الدقيقة، لذا اضطر للانتظار حتى شروق الشمس لكي يجري العملية.
ومن هنا كانت البداية لاختراع المصباح الكهربي، فأخذ إديسون يستمر في محاولاته وإصراره على اختراع المصباح الكهربي لدرجة أنه خاض أكثر من 99 تجربة فاشلة، وفي كل مرة عندما تفشل تجربة كان يقول (هذا عظيم.. لقد أثبتنا أن هذه أيضاً وسيلة غير ناجحة للوصول للاختراع الذي أحلم به).
وفعلاً في عام 1879 أنار مصباح إديسون لتشع الوجوه بهجةً بهذا الاختراع العظيم، واستمرت الزجاجة مضيئة 45 ساعة، وانتشر النبأ بالصحف أن الساحر إديسون حقق المعجزة والناس ما بين مكذب ومصدق.
لكن الحقيقة أن المصباح الكهربائي كان متواجد بالفعل قبل إديسون، وعمل عليه أكثر من عالم ومخترع، لكن تكمن عبقرية إديسون في أنه طوره وعدله ليكون صالحاً للاستخدام للإنارة بشكل مستمر وفعّال.
أسس إديسون شركة إديسون للإضاءة عام 1882، ليبدأ منذ هذا التاريخ في التحويل التدريجي من مخترع عبقري إلى رجل أعمال، يهدف إلى الربح أولاً، والسيطرة على مجال الإنارة والكهرباء، التي كان الاستثمار الأكبر في العالم بهذا الوقت.
قدمت شركة إديسون فيما بعد المئات من الاختراعات، التي لا يعرف على وجه الدقة هل كلها من اختراع إديسون ومساعديه أم أنها من اختراع مخترعين مجهولين سرق إديسون اختراعاتهم.
وربما من أشهر قصص سرقة إديسون للاختراعات قصته مع العبقري الآخر نيكولا تسلا الملقب بمخترع القرن العشرين، الذي كان شاباً عند لقائه الأول بإديسون، حيث عمل بشركة إديسون بعد دعوة من إديسون شخصياً للشاب الصربي العبقري لإقناعه بالسفر والالتقاء شخصياً بإديسون، وهو ما حدث بالفعل.
كان إديسون مقتنعاً بالكهرباء المتصلة، أما هذا الشاب فكان ينتقد المولدات الكهربية الموجودة، ويقول إنه يمكن بناء مولدات أفضل، وبالفعل اقترح فكرته على إديسون الذي فرح جداً بها وشجّع تسلا على العمل عليه.
وقال له :(فكرة عظيمة، لكنها تحتاج إلى سنوات من العمل والنفقات، ابدأ بالعمل على مشروعك ولك منى مكافأة 50 ألف دولار). وبعد مرور سنة عمل بها تسلا كالمجنون لمدة 18 ساعة يومياً جاء فرحاً إلى إديسون ليخبره بنجاحه، ويطلب المكافأة الموعودة.
ضحك إديسون وقال: (أنتم لم تفهموا بعد المجتمع الرأسمالي). ولم يعطه شيئاً، بل زاد راتبه زيادة بسيطة فقط، ولم يكتف بهذا، بل بدأ يستغل عمل تسلا دون الإشارة إليه. فترك تسلا العمل مع إديسون وهو محبط، واصفاً إياه بأنه رجل أعمال وسياسي وليس بعالم.
وربما يكون هناك عشرات آخرون استغلهم إديسون لم يذكرهم التاريخ، وذلك بعد أن تحول من مخترع عبقري إلى رجل أعمال وثري، يسيطر على مفاصل الدولة الأميركية وسياستها.
ظل إديسون رجل أعمال نَشِطاً حتى سنواته الأخيرة، ليتوفى بسبب مضاعفات مرض السكرى في عام 1931 ويسدل الستار على مسيرة أحد أعظم العقول التي خدمت البشرية.
فحتى ولو كان توماس إديسون عمل من أجل مجد شخصي وثراء فاحش، فقد التقت غايته وهدفه مع تقديم الكثير من الخير والحياة الأفضل للبشرية، وربما قد كانت هذه الاختراعات في حاجة ماسة لرجل بقدرات إدارية وطموحات كبرى كإديسون لتخرج للنور لا أن تظل حبيسة المعامل والمختبرات سنوات طويلة.













