تجميد البويضات.. رفاهية أم ضرورة عصرية؟

مقالات

استمع الي المقالة
0:00

تجميد البويضات.. رفاهية أم ضرورة عصرية؟

د. هيثم بدران

في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن «تجميد البويضات» حكرًا على الأوساط الطبية، بل أصبح موضوعًا حاضرًا في نقاشات الأسر، خاصة مع تغيّر أنماط الحياة وتأخر سن الزواج والإنجاب. وبين من يراه رفاهية لا داعي لها، ومن يعتبره حلًا علميًا ذكيًا لمشكلة واقعية، يبقى السؤال الأهم: هل تجميد البويضات ضرورة عصرية بالفعل؟

من الناحية الطبية، تولد الأنثى بعدد محدد من البويضات، يتناقص تدريجيًا مع التقدم في العمر، ليس فقط في العدد، بل في الجودة أيضًا. وتُعد هذه النقطة محور القضية، إذ إن فرص الحمل الطبيعي تقل بشكل ملحوظ بعد سن الخامسة والثلاثين، وتزداد معدلات الإجهاض والمشكلات الوراثية. هنا يظهر تجميد البويضات كوسيلة «لحفظ الخصوبة» في وقت تكون فيه البويضات في أفضل حالاتها.

لكن لماذا تلجأ المرأة إلى هذا الخيار؟

الأسباب متعددة، وبعضها أصبح شائعًا في المجتمع المصري. فهناك من تؤجل الزواج لأسباب تعليمية أو مهنية، وأخريات لم تتح لهن الفرصة بعد لتكوين أسرة، إضافة إلى حالات طبية مثل الأورام التي تتطلب علاجًا قد يؤثر على المبيض. في هذه السياقات، لا يبدو تجميد البويضات رفاهية، بل أقرب إلى «تأمين مستقبلي».

ورغم ذلك، من المهم تصحيح مفهوم شائع: تجميد البويضات لا يعني ضمان الحمل في المستقبل. هو يزيد من الفرص، لكنه لا يقدم وعدًا مؤكدًا. تعتمد النتائج على عمر المرأة وقت التجميد، وعدد البويضات المجمدة، وجودتها، بالإضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالرحم والصحة العامة.

الإجراء نفسه أصبح أكثر أمانًا وتطورًا من السابق. يتم تحفيز المبيض لإنتاج عدة بويضات، ثم سحبها تحت تخدير بسيط، وتجميدها بتقنيات حديثة تحافظ على جودتها لسنوات طويلة. ومع التقدم العلمي، ارتفعت نسب نجاح الإخصاب باستخدام هذه البويضات، ما شجع الكثيرات على التفكير في هذا الخيار.

لكن يبقى الجانب الاجتماعي والثقافي حاضرًا بقوة. فبعض الأسر تنظر إلى الأمر بشيء من التحفظ، إما لعدم وضوح الفكرة أو لاعتبارات دينية واجتماعية. وهنا يأتي دور التوعية الطبية الرصينة، التي تشرح أن الهدف ليس «تأجيل الأمومة بلا حدود»، بل إعطاء فرصة أفضل لحدوثها في ظروف مناسبة.

من زاوية أخرى، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي، إذ إن تكلفة الإجراء قد تكون عائقًا أمام بعض السيدات، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية إدراجه مستقبلًا ضمن خدمات التأمين الصحي أو المبادرات المجتمعية، خاصة في الحالات الطبية الضرورية.

في النهاية، لا يمكن وضع تجميد البويضات في خانة واحدة ثابتة. فهو ليس رفاهية مطلقة، ولا ضرورة لكل امرأة. بل هو خيار طبي حديث، قد يكون مناسبًا جدًا في ظروف معينة، وغير ضروري في أخرى. القرار يجب أن يكون مبنيًا على وعي كامل، واستشارة طبية دقيقة، وفهم واقعي للفرص والتحديات.

ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل هو رفاهية أم ضرورة؟
بل: هل هو القرار المناسب لهذه السيدة، في هذا التوقيت، وبناءً على ظروفها الخاصة؟

نسأل الله السلامة للجميع