الولادة القيصرية بين الضرورة الطبية والاستخدام غير المبرر

مقالات

استمع الي المقالة
0:00

الولادة القيصرية بين الضرورة الطبية والاستخدام غير المبرر.

د. هيثم بدران

شهدت معدلات الولادة القيصرية خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في كثير من دول العالم، ومنها مصر، حتى أصبحت في بعض الأحيان تتجاوز المعدلات المقبولة طبيًا بصورة كبيرة. هذا الواقع دفع المؤسسات الصحية والجهات المعنية إلى تبني سياسات تهدف إلى خفض معدلات القيصرية، لكن من المهم التأكيد منذ البداية أن الهدف من هذه السياسات ليس التخويف من الولادة القيصرية أو التقليل من أهميتها، وإنما ترشيد استخدامها وقصرها على الحالات التي تستدعيها طبيًا بالفعل.

فالولادة القيصرية تُعد واحدة من أعظم الإنجازات الطبية الحديثة، وقد ساهمت على مدار عقود في إنقاذ حياة ملايين الأمهات والأطفال. هناك حالات تصبح فيها القيصرية ضرورة لا بديل عنها، مثل تعثر الولادة، أو ضيق الحوض، أو النزيف الشديد، أو معاناة الجنين داخل الرحم، أو بعض أوضاع الجنين غير الطبيعية، وغيرها من الظروف التي تجعل الولادة الطبيعية خطرًا على الأم أو الطفل. وفي هذه الحالات، فإن إجراء القيصرية في الوقت المناسب يمثل قرارًا طبيًا حكيمًا ومنقذًا للحياة.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التوسع في إجراء القيصريات دون مبرر طبي واضح. فبعض العمليات تُجرى بدافع الخوف من ألم الولادة الطبيعية، أو الرغبة في تحديد موعد الولادة مسبقًا، أو القلق المبالغ فيه من المضاعفات، أو أحيانًا نتيجة اعتقادات خاطئة لدى بعض الأسر بأن القيصرية “أكثر أمانًا” في كل الأحوال. كما قد تلعب بعض العوامل التنظيمية أو الاجتماعية دورًا في زيادة اللجوء إليها.

ورغم أن القيصرية عملية شائعة وآمنة نسبيًا عند إجرائها في الظروف المناسبة، فإنها تظل جراحة كبرى تحمل مخاطر ومضاعفات محتملة، مثل النزيف، والالتهابات، ومضاعفات التخدير، وزيادة فرص حدوث التصاقات داخل البطن، فضلًا عن ارتفاع احتمالات بعض المشكلات في الحمل التالي، مثل المشيمة الملتصقة أو انفجار الرحم. كما أن التعافي بعد القيصرية غالبًا ما يكون أطول وأصعب مقارنة بالولادة الطبيعية.

ومن هنا جاءت أهمية السياسات الحديثة الهادفة إلى خفض معدلات القيصرية غير المبررة، وهي سياسات تعتمد على نشر الوعي العلمي الصحيح، وتحسين متابعة الحمل، وتشجيع الولادة الطبيعية الآمنة، وتدريب الفرق الطبية على الاستخدام الأمثل للتدخلات أثناء الولادة، مع احترام كامل لسلامة الأم والجنين باعتبارها الأولوية المطلقة.

وتؤكد هذه السياسات أن القرار النهائي بشأن طريقة الولادة يجب أن يكون قرارًا طبيًا مبنيًا على تقييم دقيق لكل حالة على حدة، وليس على الانطباعات العامة أو الضغوط الاجتماعية. فالهدف ليس الوصول إلى “صفر قيصريات”، لأن هذا أمر غير منطقي طبيًا، وإنما الوصول إلى “القيصرية عند الحاجة فقط”.

كما أن نجاح هذه الجهود يتطلب تعاونًا بين الطبيب والأسرة الحامل ووسائل الإعلام، من أجل تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الولادة الطبيعية والقيصرية معًا. فالولادة الطبيعية ليست بطولة تُفرض على كل سيدة، والقيصرية ليست فشلًا أو خطرًا دائمًا، بل لكل منهما مكانه الصحيح وفقًا للحالة الطبية.

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن الطب الحديث لا ينحاز إلى نوع معين من الولادة بقدر ما ينحاز إلى “الاختيار الآمن”. وعندما تُجرى القيصرية في موضعها الصحيح تكون نعمة حقيقية، أما حين تتحول إلى إجراء روتيني بلا داعٍ، فإننا نكون بحاجة إلى مراجعة واعية ومتوازنة تحفظ صحة الأم والطفل معًا.

نسأل الله السلامة للجميع