التعرق أثناء الرياضة .. إليك الأسباب الحقيقية للتعرق المفرط

الصحة والجمال

استمع الي المقالة
0:00

التعرق أثناء الرياضة: ليس دائمًا حرق دهون.. إليك الأسباب الحقيقية للتعرق المفرط

 

يُعد التعرق ظاهرة فسيولوجية طبيعية ومهمة تحدث لجسمنا للحفاظ على درجة حرارته الداخلية، خاصة أثناء النشاط البدني. غالبًا ما يُربط التعرق الشديد أثناء ممارسة الرياضة بشكل شائع بحرق المزيد من الدهون أو بذل جهد أكبر، مما يُعطي شعورًا بالرضا عن التمرين. ومع ذلك، فإن هذه المعادلة ليست صحيحة دائمًا. فالتعرق المفرط قد لا يُشير بالضرورة إلى فعالية التمرين في حرق الدهون، بل قد يكون له أسباب أخرى عديدة، بعضها طبيعي تمامًا، وبعضها قد يستدعي الانتباه.

فهم الأسباب الحقيقية وراء التعرق الشديد أثناء ممارسة الرياضة يُمكن أن يُساعدك على تقييم مدى فعالية تمرينك بشكل أفضل، وتجنب المفاهيم الخاطئة، وفي بعض الحالات، يُقدم لك مؤشرًا على صحتك العامة.


 

التعرق: وظيفة الجسم الأساسية

 

التعرق هو آلية تبريد أساسية يستخدمها الجسم للحفاظ على درجة حرارة ثابتة (حوالي 37 درجة مئوية). عندما ترتفع درجة حرارة الجسم (بسبب النشاط البدني، الحرارة الخارجية، أو الحمى)، تُرسل منطقة ما تحت المهاد في الدماغ إشارات إلى الغدد العرقية لإفراز العرق. يتبخر هذا العرق من سطح الجلد، مما يُؤدي إلى تبريد الجسم.

يُشارك حوالي 2-4 ملايين غدة عرقية في هذه العملية، وتختلف كثافتها وتوزيعها من شخص لآخر.


 

أسباب التعرق المفرط أثناء ممارسة الرياضة:

 

التعرق ظاهرة معقدة تتأثر بعوامل متعددة. إليك الأسباب الرئيسية للتعرق المفرط أثناء ممارسة الرياضة، وبعضها قد يُفاجئك:

 

1. ارتفاع درجة حرارة الجسم الأساسية (الآلية الطبيعية):

 

  • الشرح: هذا هو السبب الأساسي والأكثر شيوعًا للتعرق أثناء الرياضة. عندما تُمارس الرياضة، تُنتج عضلاتك حرارة كناتج ثانوي لإنتاج الطاقة. هذه الحرارة تُرفع درجة حرارة جسمك الداخلية.
  • التأثير: لكيلا ترتفع درجة الحرارة الداخلية إلى مستويات خطيرة، يقوم الجسم بزيادة التعرق كوسيلة للتبريد. كلما زادت شدة التمرين، زادت الحرارة المُنتجة، وزاد التعرق.
  • ليس دليلاً على حرق الدهون: التعرق الشديد في هذه الحالة يعني أن جسمك يُبرد نفسه بفاعلية، وليس بالضرورة أنه يحرق دهونًا أكثر من تمرين بنفس الشدة يُسبب تعرقًا أقل (على سبيل المثال، في بيئة أكثر برودة).

 

2. العوامل البيئية (الطقس والرطوبة):

 

  • الشرح: درجة حرارة البيئة ومستوى الرطوبة يلعبان دورًا كبيرًا في كمية التعرق.
  • التأثير:
    • الحرارة: كلما زادت درجة حرارة الهواء المحيط، زادت حاجة الجسم للتبريد، وبالتالي يزيد التعرق.
    • الرطوبة: تُعيق الرطوبة العالية تبخر العرق من سطح الجلد. عندما لا يتبخر العرق بفاعلية، يبقى على الجلد، مما يُعطي إحساسًا أكبر بالتعرق الشديد واللزوجة، حتى لو كانت كمية العرق المُنتجة قد لا تكون أعلى بشكل كبير. يشعر الشخص بالحرارة أكثر لأن آلية التبريد الطبيعية تُصبح أقل كفاءة.
  • ليس دليلاً على حرق الدهون: ممارسة الرياضة في جو حار ورطب ستُؤدي دائمًا إلى تعرق أكبر، بغض النظر عن شدة التمرين أو كمية الدهون المحروقة.

 

3. مستوى اللياقة البدنية والتكيف (Adaptation):

 

  • الشرح: الأشخاص الأكثر لياقة بدنية غالبًا ما يتعرقون أكثر وأسرع من الأقل لياقة.
  • التأثير: مع التدريب المنتظم، يُصبح الجسم أكثر كفاءة في تنظيم درجة حرارته. تُصبح الغدد العرقية أكثر استجابة وتُنتج العرق بشكل أسرع وأكثر فعالية لتبريد الجسم قبل أن ترتفع درجة حرارته الداخلية بشكل كبير. هذا يُعرف بـ “التكيف الحراري”.
  • ليس دليلاً على حرق الدهون: في هذه الحالة، التعرق المفرط يُعد علامة على اللياقة البدنية الجيدة وكفاءة الجسم في التبريد، وليس مؤشرًا مباشرًا على حرق الدهون في تلك اللحظة.

 

4. النظام الغذائي والمشروبات:

 

  • الشرح: ما تأكله وتشربه قبل التمرين يُمكن أن يُؤثر على كمية التعرق.
  • التأثير:
    • الأطعمة الحارة: تُحفز الأطعمة الحارة مستقبلات الألم في الفم، مما يُؤدي إلى استجابة عصبية تُشبه ارتفاع درجة حرارة الجسم، وبالتالي يزيد التعرق.
    • الكافيين: يُعد الكافيين منبهًا يُمكن أن يُزيد من معدل الأيض، وقد يُؤثر على بعض الغدد العرقية.
    • السوائل الكافية: إذا كنت تُعاني من الجفاف، قد يُحاول جسمك الاحتفاظ بالسوائل، مما قد يُقلل من التعرق الفعال (وهو أمر خطير). شرب الماء بكثرة يُوفر السوائل اللازمة للتعرق الطبيعي.
  • ليس دليلاً على حرق الدهون: هذه العوامل تُؤثر على آليات تنظيم الحرارة وليس بالضرورة على حرق الدهون.

 

5. وزن الجسم ونسبة الدهون:

 

  • الشرح: الأشخاص الذين يُعانون من زيادة الوزن أو السمنة قد يتعرقون أكثر من الأشخاص ذوي الوزن الطبيعي.
  • التأثير: تُشكل الدهون طبقة عازلة تحت الجلد، مما يُصعب على الجسم تشتيت الحرارة. هذا يُجبر الجسم على التعرق أكثر لتعويض هذا العزل الإضافي.
  • ليس دليلاً مباشرًا على حرق الدهون: التعرق هنا يُشير إلى تحدٍ أكبر في تنظيم درجة الحرارة، وليس بالضرورة أن الجسم يحرق دهونًا أكثر في تلك اللحظة مقارنة بشخص آخر ذي وزن أقل.

 

6. العوامل الوراثية والجنس:

 

  • الشرح: يُمكن أن تُؤثر الجينات على عدد الغدد العرقية وحجمها، وكذلك على استجابتها. الرجال غالبًا ما يتعرقون أكثر من النساء بسبب اختلاف الهرمونات وحجم الجسم بشكل عام.
  • التأثير: بعض الأشخاص يُعانون من فرط التعرق (Hyperhidrosis) وهي حالة تُسبب تعرقًا مفرطًا حتى في غياب الحرارة أو النشاط البدني الشديد.
  • ليس دليلاً على حرق الدهون: هذه عوامل خارجة عن السيطرة ولا علاقة لها بحرق الدهون أثناء التمرين.

 

7. الملابس:

 

  • الشرح: نوع الملابس التي ترتديها أثناء التمرين يُمكن أن يُؤثر بشكل كبير على التعرق.
  • التأثير: الملابس الضيقة أو المصنوعة من الأقمشة التي لا تسمح بمرور الهواء (مثل القطن الثقيل) تُعيق تبخر العرق، مما يُؤدي إلى شعور بالتعرق الشديد والحرارة.
  • ليس دليلاً على حرق الدهون: اختر ملابس فضفاضة ومصنوعة من أقمشة تُساعد على امتصاص العرق وتبخره.

 

هل التعرق مؤشر على فعالية التمرين؟

 

التعرق هو مؤشر جيد على أنك تُبذل مجهودًا وأن جسمك يعمل على تنظيم درجة حرارته. ولكنه ليس مؤشرًا مباشرًا أو دقيقًا على كمية الدهون التي تحرقها.

  • حرق الدهون: يتم حرق الدهون بشكل أساسي من خلال استهلاك السعرات الحرارية عبر النشاط البدني والنظام الغذائي الصحي. يُمكنك حرق الدهون حتى لو كنت لا تتعرق كثيرًا (مثل ممارسة اليوجا في غرفة مكيفة).
  • مؤشرات أفضل لفعالية التمرين:
    • معدل ضربات القلب: استهدف نطاق معدل ضربات القلب المستهدف لحرق الدهون (عادة 60-70% من الحد الأقصى لمعدل ضربات القلب).
    • مستوى الجهد المُدرك (RPE): الشعور بالتعب الخفيف إلى المتوسط، والقدرة على التحدث بجمل قصيرة ولكن ليس الغناء.
    • التقدم في الأداء: زيادة الأوزان، تحسين السرعة، أو زيادة المسافة بمرور الوقت.

 

نصائح للتعامل مع التعرق أثناء الرياضة:

 

  1. حافظ على رطوبة جسمك: اشرب الماء بانتظام قبل وأثناء وبعد التمرين، خاصة إذا كنت تتعرق بغزارة.
  2. اختر الملابس المناسبة: ارتدي ملابس فضفاضة ومصنوعة من أقمشة تُطرد الرطوبة (Moisture-wicking fabrics).
  3. تجنب التدريبات في أشد ساعات الحرارة: حاول التمرين في الصباح الباكر أو في المساء.
  4. استحم بعد التمرين: لتنظيف البشرة وإزالة الأملاح والبكتيريا.
  5. استشر الطبيب: إذا كنت تُعاني من تعرق مفرط غير مُبرر (فرط التعرق) يُؤثر على حياتك اليومية، فقد تحتاج إلى استشارة طبيب لتقييم حالتك.

الخلاصة: التعرق أثناء ممارسة الرياضة هو وظيفة حيوية لجسمك لتنظيم درجة الحرارة، وليس دائمًا مؤشرًا مباشرًا على حرق الدهون. بينما يُشير التعرق إلى أنك تُبذل مجهودًا، إلا أن أسبابه تتعدد لتشمل درجة حرارة البيئة، مستوى لياقتك البدنية، وزنك، وحتى جيناتك. لا تُركز فقط على كمية العرق كمقياس لنجاح تمرينك، بل انتبه لمؤشرات أخرى مثل معدل ضربات القلب والتقدم في الأداء. الأهم هو أن تحافظ على رطوبة جسمك وتُوفر له الظروف المثلى لأداء التمارين بفاعلية وسلامة.