في تصريح حديث خلال مؤتمر بغداد الدولي الخامس للمياه، حذّر المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، السيد شو دونيو، من أن العالم يواجه “خطرًا متناميًا جدًا” بسبب ندرة المياه، وأن معالجة هذه الأزمة تتطلب سرعة في العمل، عزيمة عالية، وتنسيق واسع النطاق.
دونيو أشار إلى أن “المياه ليست موردًا بلا حدود”، وأن الانخفاض المستمر في مصادر المياه العذبة يشكل تحديًا استراتيجيًا لكل من الزراعة والأمن الغذائي، خاصة في المناطق التي تتعرض للجفاف أو التي تشهد ضغوطًا على البنية التحتية المائية.
ويأتي هذا التحذير بالتزامن مع تقرير UN‑Water من تقرير “تطوير المياه العالمي 2025” (UN World Water Development Report 2025) الذي صدر في 21 مارس، ويتناول موضوع الأنهار الجليدية والجبال كمخازن مائية طبيعية.
التقرير يوضح أن ذوبان الأنهار الجليدية يتسارع نتيجة التغير المناخي، ما يؤدي إلى تقلبات شديدة في دورة الماء ويزيد من التفاوت في توفر المياه العذبة بين المناطق الجبلية والمنخفضة، ويهدد بإحداث كوارث مثل الفيضانات والانهيارات الأرضية.
من جهة اقتصادية، يشير تقرير المنظمة إلى أن بعض الدول قد لا تكون مستعدة ماليًا أو تقنيًا لتحمل تكلفة التكيف مع هذا الجفاف المتزايد. فالدول النامية، التي تعتمد على الزراعة المروية أو المياه الجبلية، قد تواجه صعوبات كبيرة في استثمار البنية التحتية اللازمة لتعزيز تخزين المياه والتوزيع العادل. هذا يشمل بناء خزانات، محطات تحلية، أو تحسين طرق الري لتكون أكثر كفاءة.
في السياق نفسه، ربطت FAO بين ندرة المياه والسلام الغذائي، موضحةً أن فشل بعض المناطق في التكيف مع نقص المياه قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء، بل وربما نزوح أو هجرة سكانية من المناطق التي تعاني نقصًا مائيًا شديدًا. هذا الأمر قد يزيد من الأزمات الإنسانية في مناطق العالم الأكثر هشاشة.
كما شدّد التقرير على أهمية “الاستثمار الذكي في المياه” من خلال ثلاث أولويات رئيسية:
-
الكفاءة في استخدام المياه: تحسين إدارة الطلب من خلال أنظمة ري أكثر ذكاءً، وتقنيات متقدمة توفر المياه في الزراعة.
-
زيادة الإمداد البديل: مثل إعادة استخدام المياه المعالجة، وتشجيع مشاريع تحلية المياه في المناطق الساحلية، وتخزين المياه الموسمية.
-
توزيع عادل للمياه: ضمان وصول المياه للمجتمعات الضعيفة، وتطبيق سياسات عادلة تشجع الاستخدام المستدام دون إفراط أو تفضيل لقطاع معين على حساب آخر.
الإعلان الأخير من FAO والتوصيات المرتبطة به تمثل دعوة للعالم للاستيقاظ: ندرة المياه لم تعد تهديدًا محتملًا في المستقبل فقط، بل هي واقع يفرض على الحكومات، المنظمات الدولية، والمزارعين التفكير في حلول مستدامة الآن.
إذا لم تُتخذ إجراءات حقيقية وسريعة، قد نشهد خلال العقد القادم ارتفاعًا في النزاعات المائية، ضغطًا أكبر على الإنتاج الغذائي، وزيادة في عدم المساواة بين الدول القادرة على الاستثمار في البنية التحتية المائية وتلك التي لا تملك هذا الترف.
في الختام، يمكن القول إن أزمة المياه ليست مسألة بيئية فحسب، بل قضية تنموية وثقافية، تتطلب تحولًا جذريًا في كيفية تعاملنا مع هذا المورد الحيوي — لكي نضمن ليس فقط بقاء الأجيال القادمة، ولكن فرصهم في العيش بكرامة واستقرار.














