كيف تُساعد الأطعمة الغنية بهذا المعدن في الوقاية من الخرف

الصحة والجمال

استمع الي المقالة
0:00

النحاس ودرع الدماغ: كيف تُساعد الأطعمة الغنية بهذا المعدن في الوقاية من الخرف

 

لطالما كان البحث عن طرق للوقاية من الأمراض التنكسية العصبية مثل الخرف محور اهتمام العلماء حول العالم. ومع تزايد أعداد المُصابين بهذه الحالات، تُصبح كل دراسة تُقدم بصيص أمل في الوقاية منها ذات أهمية قصوى. في هذا السياق، تُشير دراسات حديثة بشكل مُتزايد إلى الدور الحاسم الذي يلعبه معدن النحاس في صحة الدماغ، مُقدمةً دليلًا على أن تناول الأطعمة الغنية بالنحاس قد يكون درعًا وقائيًا ضد الإصابة بالخرف. هذا المعدن النزوي، الذي غالبًا ما يُغفل دوره، يُشارك في وظائف حيوية داخل الدماغ تُؤثر مُباشرة على الصحة الإدراكية وطول عمر الخلايا العصبية.

دعنا نتعمق في فهم العلاقة بين النحاس وصحة الدماغ، والأدلة العلمية التي تُؤكد دوره الوقائي ضد الخرف، بالإضافة إلى أفضل المصادر الغذائية لهذا المعدن الحيوي.


 

1. النحاس: لاعب رئيسي في صحة الدماغ

 

النحاس ليس مُجرد معدن؛ إنه عنصر أساسي يُشارك في العديد من العمليات البيولوجية المُعقدة، خاصة تلك المتعلقة بالدماغ والجهاز العصبي:

  • إنتاج الطاقة العصبية: يُعد النحاس مُكونًا أساسيًا للعديد من الإنزيمات، بما في ذلك إنزيم سيتوكروم سي أوكسيديز (Cytochrome C Oxidase)، وهو إنزيم حيوي في الميتوكوندريا (محطات الطاقة في الخلايا). هذا الإنزيم ضروري لإنتاج الطاقة اللازمة لوظائف الخلايا العصبية. نقص النحاس يُمكن أن يُقلل من كفاءة إنتاج الطاقة في الدماغ، مما يُؤثر على وظائف الخلايا العصبية.
  • تكوين النواقل العصبية: يُشارك النحاس في تصنيع وتنشيط بعض النواقل العصبية الهامة مثل نورإبينفرين (Norepinephrine)، الذي يلعب دورًا في اليقظة، الانتباه، والمزاج. اختلال مستويات هذه النواقل يُمكن أن يُؤثر على الوظائف الإدراكية.
  • حماية الدماغ من الأكسدة: يُعد النحاس جزءًا من إنزيم سوبرأوكسيد ديسميوتاز (Superoxide Dismutase – SOD)، وهو مضاد أكسدة قوي يُحارب الجذور الحرة الضارة التي تُسبب تلف الخلايا العصبية وتُساهم في الأمراض التنكسية العصبية.
  • صيانة المايلين (Myelin): المايلين هو الغلاف الواقي الذي يُحيط بالألياف العصبية ويُسرع من انتقال الإشارات العصبية. يُعتقد أن النحاس يُلعب دورًا في الحفاظ على سلامة هذا الغلاف.

 

2. العلاقة بين النحاس والخرف: أدلة متزايدة

 

تُشير الأبحاث الحديثة بشكل مُتزايد إلى أن الخلل في مستويات النحاس في الدماغ يُمكن أن يُساهم في تطور الأمراض العصبية التنكسية مثل مرض الزهايمر والخرف الوعائي.

  • الدراسات العلمية:
    • بعض الدراسات تُشير إلى أن نقص النحاس على المدى الطويل يُمكن أن يُضعف الوظيفة الإدراكية ويزيد من خطر التلف العصبي.
    • دراسات أخرى تُركز على اختلال توازن النحاس، حيث لا يتعلق الأمر بالكمية الكلية فقط، بل بتوزيعه داخل الدماغ. النحاس غير المُقيد (Free copper) يُمكن أن يُصبح مُؤكسدًا ويُسبب تلفًا للخلايا.
    • الفرضية الشائعة هي أن النحاس يُلعب دورًا في تكوين وتراكم بروتين البيتا-أميلويد (Beta-amyloid)، وهي لويحات تُعد سمة مميزة لمرض الزهايمر. تُشير بعض الأبحاث إلى أن التوازن الصحيح للنحاس يُمكن أن يُقلل من تكتل هذه البروتينات أو يُعزز من إزالتها.
    • دراسات حديثة تُؤكد على أهمية الحصول على النحاس من مصادر غذائية طبيعية مُتوازنة، حيث يُمكن للجسم تنظيم امتصاصه بشكل أفضل، مقارنةً ببعض المكملات التي قد تُسبب اختلالاً في التوازن.
  • الآليات الوقائية المُقترحة: يُعتقد أن الكميات المُناسبة من النحاس تُساهم في:
    • الحفاظ على سلامة الشبكات العصبية.
    • دعم وظيفة الميتوكوندريا في خلايا الدماغ.
    • تقليل الإجهاد التأكسدي والالتهاب العصبي.
    • تعزيز قدرة الدماغ على إزالة البروتينات الضارة.

 

3. أفضل المصادر الغذائية للنحاس: دمجها في نظامك اليومي

 

الخبر السار هو أن النحاس مُتاح بسهولة في العديد من الأطعمة اليومية. دمج هذه الأطعمة في نظامك الغذائي يُعد طريقة آمنة وفعالة لضمان حصولك على كميات كافية من هذا المعدن الحيوي:

  • المحار والمأكولات البحرية: يُعد المحار (مثل المحار البقري) مصدرًا ممتازًا للنحاس. تُعد المأكولات البحرية الأخرى مثل السلطعون، جراد البحر، وبعض أنواع الأسماك (مثل السلمون) مصادر جيدة أيضًا.
  • المكسرات والبذور:
    • الكاجو: غني جدًا بالنحاس.
    • اللوز: مصدر جيد.
    • بذور السمسم: تُقدم كمية كبيرة من النحاس.
    • بذور دوار الشمس: مصدر جيد أيضًا.
  • البقوليات:
    • العدس: يُعد مصدرًا ممتازًا.
    • الحمص: يُقدم كمية جيدة من النحاس.
    • الفول: مصدر جيد.
  • الخضراوات الورقية الخضراء الداكنة:
    • السبانخ: تُحتوي على النحاس بالإضافة إلى العديد من الفيتامينات والمعادن الأخرى.
    • الكرنب (Kale): مصدر جيد.
  • الشوكولاتة الداكنة: تُعد مصدرًا لذيذًا ومدهشًا للنحاس، خاصة الأنواع التي تحتوي على نسبة عالية من الكاكاو (70% فما فوق). بالإضافة إلى كونها غنية بمضادات الأكسدة.
  • الفطر: خاصة الفطر الشيتاكي (Shiitake mushrooms)، يُعد مصدرًا جيدًا.
  • الأفوكادو: يُقدم كمية مُناسبة من النحاس.
  • اللحوم العضوية: مثل كبد البقر، تُعد من أغنى مصادر النحاس، ولكن يُفضل استهلاكها باعتدال.

الكمية الموصى بها: الاحتياج اليومي من النحاس للبالغين عادة ما يكون حوالي 0.9 ملليجرام (900 ميكروجرام). يُمكن تحقيق هذه الكمية بسهولة من خلال نظام غذائي متنوع ومتوازن.


 

4. توازن النحاس: لا إفراط ولا تفريط

 

في حين أن النحاس ضروري، إلا أن توازنه مهم للغاية:

  • نقص النحاس: على الرغم من ندرته، إلا أن نقص النحاس يُمكن أن يُؤدي إلى مشاكل عصبية، فقر الدم، وضعف الجهاز المناعي.
  • زيادة النحاس (سمية النحاس): تُعد أكثر شيوعًا من النناول المُفرط للمكملات الغذائية أو في حالات وراثية نادرة مثل مرض ويلسون (Wilson’s Disease)، الذي يُؤدي إلى تراكم النحاس في الكبد والدماغ والأعضاء الأخرى. أعراض سمية النحاس تشمل الغثيان، القيء، آلام البطن، وفي الحالات الشديدة، تلف الكبد أو الكلى أو الأعصاب.

لذلك، من الأفضل الحصول على النحاس من مصادر غذائية طبيعية، حيث يُمكن للجسم تنظيم امتصاصه بكفاءة. لا يُنصح بتناول مكملات النحاس إلا تحت إشراف طبي وبعد التشخيص الدقيق لنقص.


 

الخلاصة: استثمار غذائي في صحة الدماغ

 

تُؤكد الدراسات المُتزايدة على أن العلاقة بين النحاس وصحة الدماغ أكثر تعقيدًا وأهمية مما كان يُعتقد سابقًا. إن الحفاظ على مستويات مُتوازنة ومُناسبة من النحاس في الجسم، خاصة من خلال النظام الغذائي الغني بالمصادر الطبيعية، يُمكن أن يُساهم في حماية خلايا الدماغ، دعم الوظائف الإدراكية، وربما يُقلل من خطر الإصابة بالخرف والأمراض التنكسية العصبية. اجعل هذه الخضراوات والمصادر الغذائية الغنية بالنحاس جزءًا أساسيًا من طبقك اليومي، واستثمر في صحة دماغك على المدى الطويل.