السجائر الإلكترونية والتدخين..هل السجائر الإلكترونية حقاً طوق النجاة من التدخين أم فخ صحي جديد؟
في السنوات الأخيرة، انتشرت السجائر الإلكترونية (الفيب) كالنار في الهشيم، وتم التسويق لها على نطاق واسع باعتبارها البديل الآمن للسجائر التقليدية، أو على الأقل “الشر الأهون”. يلجأ إليها الملايين حول العالم إما رغبةً في الإقلاع عن التدخين أو كنوع من مسايرة الموضة، خاصة بين فئة الشباب. ولكن، مع تزايد الأبحاث الطبية وتراكم الأدلة العلمية، يبرز السؤال الملح: هل السجائر الإلكترونية أقل خطراً بالفعل، أم أننا أمام أزمة صحية عامة تتخفى وراء نكهات الفواكه الجذابة؟
الفارق الأساسي: الاحتراق مقابل التبخير
للإجابة على هذا السؤال بصدق وموضوعية، يجب أن نفهم أولاً الفارق الجوهري في آلية العمل بين النوعين:
السجائر التقليدية: تعتمد على حرق التبغ. عملية الاحتراق هذه تنتج أكثر من 7000 مادة كيميائية، المئات منها سامة ونحو 70 منها مسببة للسرطان بشكل مباشر (مثل القطران وأول أكسيد الكربون).
السجائر الإلكترونية: تعمل عن طريق تسخين سائل –غالباً ما يحتوي على النيكوتين وجلسرين نباتي وبروبيلين غليكول ومواد منكهة– لتحويله إلى رذاذ (Aerosol) يتم استنشاقه.
بسبب غياب عملية “الاحتراق” والقطران، يتفق العديد من الخبراء والهيئات الصحية على أن السجائر الإلكترونية، من الناحية النظرية البحتة، تحتوي على مواد كيميائية سامة أقل عدداً مقارنة بالسجائر العادية. ولذلك، قد يراها البعض خطوة انتقالية لمدخن بالغ يحاول الإقلاع تماماً عن التبغ المحترق.
الفخ الخفي: “أقل خطراً” لا تعني “آمنة”
المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الفهم الشائع بأن السجائر الإلكترونية غير مضرة. الحقيقة الطبية تؤكد أن “الضرر الأقل” ليس مرادفاً للأمان المطلق، وذلك للأسباب التالية:
إدمان النيكوتين: معظم السجائر الإلكترونية تحتوي على النيكوتين، وهو مادة شديدة الإدمان. النيكوتين يرفع ضغط الدم، يزيد من معدل ضربات القلب، والأخطر من ذلك أنه يؤثر سلباً على التطور السليم للمخ لدى المراهقين والشباب حتى سن الخامسة والعشرين.
مكونات الرذاذ السامة: الرذاذ الذي يستنشقه المستخدم ليس مجرد “بخار ماء بريء” كما يظن البعض. بل يحتوي على جزيئات دقيقة للغاية تستقر في أعمق أجزاء الرئتين، بالإضافة إلى مركبات عضوية متطايرة، ومعادن ثقيلة (مثل النيكل، القصدير، والرصاص).
خطر المنكهات: بعض المواد الكيميائية المستخدمة لإعطاء نكهات جذابة (مثل مادة ثنائي الأسيتيل) تم ربطها بأمراض رئوية خطيرة ومزمنة، مثل مرض “رئة الفشار” (Popcorn Lung).
الإصابات الرئوية الحادة: سجلت الأوساط الطبية حالات متزايدة من التلف الرئوي الحاد المرتبط باستخدام الفيب (المعروف طبياً باسم EVALI)، مما دق ناقوس الخطر عالمياً.
بوابة جديدة للإدمان
الخطر الأكبر للسجائر الإلكترونية اليوم يكمن في جاذبيتها لغير المدخنين والشباب. النكهات المتنوعة، التصميمات العصرية التي تشبه الأقراص المدمجة، والترويج الواسع على منصات التواصل الاجتماعي جعلت منها بوابة دخول سهلة لعالم الإدمان. الكثير من الشباب الذين لم يسبق لهم تدخين السجائر العادية وجدوا أنفسهم مدمنين على النيكوتين عبر الفيب. وتشير الدراسات إلى أن هؤلاء الشباب أكثر عرضة بمرات عديدة للانتقال إلى تدخين السجائر التقليدية في المستقبل.
الخلاصة
في النهاية، الصورة واضحة: إذا كنت مدخناً بالغاً وانتقلت كلياً وحصرياً إلى السجائر الإلكترونية لفترة مؤقتة بهدف الإقلاع النهائي، فقد تكون قللت من تعرضك لبعض السموم القاتلة الناتجة عن حرق التبغ. ولكنك لم تتخلص من الخطر تماماً.
أما إذا كنت غير مدخن، فإن البدء في استخدام السجائر الإلكترونية هو خطأ فادح يعرض رئتيك وجهازك الدوري لمخاطر غير مبررة على الإطلاق. الخيار الأفضل والوحيد الآمن لصحتك هو الامتناع التام عن إدخال أي مواد كيميائية إلى رئتيك، سواء كانت دخاناً يحترق أو رذاذاً يتبخر.














