هاني همام يكتب: «رمضان.. شهر يغيّرنا»

مقالات

استمع الي المقالة
0:00

هاني همام يكتب: «رمضان.. شهر يغيّرنا».

كل عام ننتظر رمضان، لكن الحقيقة أن شهر رمضان هو مَن ينتظرنا. ينتظر اللحظة التي نتباطأ فيها قليلًا، نخفض صوت العالم، ونستمع إلى شيء أعمق بداخلنا. ليس مجرد شهر صيام، بل فرصة سنوية لإعادة تشغيل الروح بعد أن أنهكها الركض.

في عالم يتحرك بسرعة مفرطة، حيث تتزاحم الأخبار والأسعار والضغوط، يأتي رمضان كزر «إعادة ضبط». فجأة نكتشف أنه بإمكاننا أن نعيش بإيقاع أهدأ، أن نسيطر على رغباتنا، أن نختبر قدرتنا على الاحتمال، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا. الصيام ليس حرمانًا، بل تدريب على الحرية.. حرية ألا نكون أسرى العادة.

رمضان في مصر حالة خاصة. الشوارع قبل المغرب تشبه لحظة صمت كبرى، ثم بعد الأذان تتحول إلى مهرجان حياة. البيوت تمتلئ، العائلة تعود إلى المائدة الواحدة، والأحاديث تستعيد دفئها. حتى الخلافات تبدو أقل حدة، وكأن الشهر يفرض هدنة إجبارية بين البشر.

لكن المشهد لا يكتمل دون البعد الاقتصادي. الأسواق تنتعش، والعروض تتضاعف، والمستهلك يعيش حالة من الاستعداد الخاص.

البعض يرى مفارقة بين الزهد والإنفاق، لكن الواقع أن الإنفاق في رمضان في ثقافتنا ليس مجرد شراء، بل مشاركة. حين تزداد الموائد، تزداد معها فرص العطاء. حين نشتري أكثر، نفكر أكثر فيمن لا يملك. إنها معادلة مصرية خالصة: الروح لا تنفصل عن الحياة.

في العشر الأواخر يتغير المزاج مرة أخرى. يقل الصخب، ويعلو صوت الدعاء. يشعر الناس بأن شيئًا جميلًا يوشك على الرحيل. وهنا يبدأ الحنين قبل الوداع. نحاول أن نتمسك بكل لحظة، بكل صلاة، بكل فرصة للمغفرة.

عيد الفطر ليس مجرد احتفال، بل إعلان رسمي عن انتصار داخلي. هو مكافأة الصبر، وابتسامة بعد مجهود. في صباحه، يعود الأطفال إلى الواجهة، وتعود معنا نسختنا الصغيرة التي كانت تفرح بملابس جديدة وعيدية بسيطة. العيد يذكّرنا بأن الفرح حق، وأن البهجة ليست رفاهية.

لكن الأهم أن العيد رسالة مساواة. زكاة الفطر ليست تفصيلًا عابرًا، بل تأكيد أن الفرح لا يكتمل إذا لم يشمل الجميع. لا معنى لعيد فردي في مجتمع يبحث عن التماسك. وهنا تتجلى فلسفة رمضان: أن الإنسان هو القيمة الأعلى.

كل عام يختلف السياق. تتغير الظروف الاقتصادية، تتبدل التحديات، وتتصاعد الضغوط. ومع ذلك يبقى رمضان ثابتًا في تأثيره. يمرّ سريعًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا. يذكّرنا بأننا نستطيع أن نكون أفضل، وأن التغيير ممكن، ولو لمدة ثلاثين يومًا.