دقائق حاسمة: كيف تُنقذ حياة شخص تعرض لحريق قبل وصول الإسعاف (بعد حادث سنترال رمسيس)؟
تُعد حوادث الحريق من الكوارث المُفجعة التي تُخلف وراءها آثارًا مدمرة، ليس فقط على الممتلكات، بل الأهم على الأرواح البشرية. ومع كل حادث، مثل حريق سنترال رمسيس الأخير، تتجدد التساؤلات حول كيفية التصرف السليم في اللحظات الحرجة لإنقاذ حياة المصابين. فالدقائق الأولى بعد التعرض للحريق تُعد حاسمة، ويُمكن أن تُحدث الإسعافات الأولية السريعة والمُناسبة فرقًا جوهريًا بين الحياة والموت، أو بين إصابة بسيطة وعجز دائم.
معرفة ما يجب فعله قبل وصول الإسعاف لا تُمكن أن تُساهم فقط في تقليل حجم الإصابة، بل قد تُنقذ حياة شخص بشكل مباشر. دعنا نتعرف على الخطوات الأساسية والضرورية لتقديم يد العون في هذه المواقف العصيبة.
فهم طبيعة الإصابات الناتجة عن الحريق
قبل الشروع في الإسعافات الأولية، من المهم فهم أنواع الإصابات التي يُمكن أن تُسببها الحرائق:
- الحروق الجلدية: تتراوح من الدرجة الأولى (احمرار وألم)، إلى الثانية (بثور وتورم)، إلى الثالثة (تلف عميق للأنسجة، قد تبدو بيضاء أو متفحمة).
- استنشاق الدخان والأبخرة السامة: يُعد هذا الخطر الأكثر فتكًا في الحرائق، حيث يُمكن أن يُسبب تلفًا في الجهاز التنفسي، تورمًا في الممرات الهوائية، نقص الأكسجين، وتسممًا بالغازات مثل أول أكسيد الكربون.
- صدمة الحروق (Burn Shock): تحدث في حالات الحروق الشديدة نتيجة لفقدان السوائل من الجسم.
- إصابات الرأس والعظام: نتيجة للسقوط أو الانهيارات.
خطوات الإنقاذ الفوري: “أوقف، اخمد، برد، اتصل”
عند التعامل مع شخص تعرض لحريق، يجب التصرف بسرعة وهدوء وفقًا للخطوات التالية:
1. الأمان أولًا: أوقف الخطر (Stop the Danger)
- سلامتك الشخصية قبل أي شيء: لا تُعرض نفسك للخطر أبدًا. إذا كان الشخص ما زال في منطقة مُشتعلة أو مُغطاة بالدخان الكثيف، لا تُحاول الدخول إلا إذا كنت مُدربًا ومُجهزًا بمعدات الحماية (وهو أمر غير مُوصى به غالبًا للمدنيين العاديين). اطلب المساعدة المتخصصة على الفور (الدفاع المدني/المطافئ).
- إبعاد المصاب عن مصدر الحريق: إذا كان بالإمكان الوصول إليه بأمان، اسحب المصاب بعيدًا عن اللهب أو مصدر الحرارة.
- إزالة الملابس المشتعلة: إذا كانت ملابس المصاب مشتعلة، دعه يتوقف عن الركض، وأسقطه أرضًا، ودحرجه على الأرض (Roll) لإخماد النيران. أو قم بتغطيته ببطانية ثقيلة أو قطعة قماش سميكة غير صناعية (مثل الصوف أو القطن) لقطع الأكسجين عن النيران.
2. إخماد الحريق على المصاب (Smother the Flames)
- استخدم بطانية ثقيلة، أو معطف، أو أي مادة سميكة غير قابلة للاشتعال لتغطية الشخص بالكامل وإخماد النيران.
- تأكد من أن الوجه والرأس مُغطاة لحماية الجهاز التنفسي من استنشاق المزيد من الدخان.
3. تبريد الحروق فورًا (Cool the Burn)
هذه الخطوة حاسمة لتقليل عمق الحروق وتخفيف الألم:
- الماء الجاري: بمجرد إخماد النيران، صب ماء بارد (وليس مُثلجًا) على منطقة الحروق لمدة 10 إلى 20 دقيقة على الأقل. استخدم ماء جاريًا من الصنبور إذا أمكن.
- لماذا؟ الماء البارد يُقلل من درجة حرارة الجلد، يُوقف عملية الحرق، ويُقلل من تورم الأنسجة وتلفها. الماء المُثلج أو الثلج مُباشرةً يُمكن أن يُسبب قضمة صقيع ويزيد من الضرر.
- إزالة الملابس والمجوهرات: قم بإزالة أي ملابس أو مجوهرات أو أحزمة تُحيط بمنطقة الحروق فورًا قبل أن يُصبح التورم شديدًا، ما لم تكن ملتصقة بالجلد (في هذه الحالة، لا تُحاول إزالتها أبدًا).
- تجنب:
- لا تُطبق الزبدة أو الزيوت أو المعاجين أو أي علاجات منزلية: هذه المواد يُمكن أن تُفاقم الحرق وتُعيق التقييم الطبي.
- لا تُفجر البثور: اترك البثور سليمة لحماية الجلد تحتها من العدوى.
4. تقييم حالة المصاب وطلب المساعدة (Call for Help)
بعد تبريد الحروق، قم بتقييم شامل للمصاب:
- الاتصال بالإسعاف (123 في مصر): اتصل فورًا بالإسعاف، حتى لو بدت الإصابة بسيطة. اذكر بوضوح أن الحالة نتيجة حريق، وموقع الحادث، وعدد المصابين.
- تقييم مجرى الهواء والتنفس والدورة الدموية (ABC):
- A (Airway – مجرى الهواء): هل مجرى الهواء مفتوح؟ هل يُمكن للمصاب التنفس بسهولة؟ ابحث عن علامات استنشاق الدخان (سعال، بحة في الصوت، صعوبة في التنفس، حروق حول الأنف أو الفم).
- B (Breathing – التنفس): هل يتنفس المصاب؟ هل تنفسه طبيعي؟ إذا توقف التنفس، ابدأ فورًا في الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) إذا كنت مُدربًا.
- C (Circulation – الدورة الدموية): هل هناك نبض؟ هل هناك نزيف شديد؟
5. تغطية الحروق (Dress the Burn)
- بعد التبريد، غطِ الحروق بقطعة قماش نظيفة وجافة وغير مُلتصقة (مثل شاش معقم، أو قطعة قماش قطنية نظيفة).
- لماذا؟ لتجنب العدوى، وتخفيف الألم، وحماية المنطقة من التلوث.
- تجنب: لا تُلف الضمادة بإحكام شديد، ولا تُطبق أي مواد لاصقة مباشرة على الحرق.
6. التعامل مع الصدمة النفسية والجسدية
- طمأنة المصاب: تحدث إلى المصاب بهدوء وطمأنة. الخوف والألم يُمكن أن يزيدا من الصدمة.
- الحفاظ على دفء المصاب: بعد التبريد، يُمكن أن يُصاب المصاب بالبرد أو الارتعاش. غطه ببطانية خفيفة أو معطف (مع تجنب ملامسته للحروق المكشوفة) للحفاظ على درجة حرارة جسمه.
- لا تُقدم طعامًا أو شرابًا: لا تُعطِ المصاب أي شيء عن طريق الفم، حتى الماء، لتجنب خطر الاختناق أو التفاعل مع علاجات الإسعاف.
متى يكون الوضع خطيرًا ويتطلب رعاية فورية؟
- أي حرق يُغطي مساحة كبيرة من الجسم (أكبر من حجم راحة يد المصاب).
- الحروق من الدرجة الثالثة (التي تبدو بيضاء، بنية داكنة، أو متفحمة).
- الحروق في الوجه، الرقبة، اليدين، القدمين، الأعضاء التناسلية، أو المفاصل الرئيسية.
- أي علامات على استنشاق الدخان أو صعوبة في التنفس.
- إذا كان المصاب طفلًا أو رضيعًا أو شخصًا مسنًا.
- إذا كان المصاب يُعاني من أي حالة طبية مزمنة (مثل السكري، أمراض القلب).
- إذا كانت الحروق ناجمة عن مواد كيميائية أو كهرباء.
الخلاصة: كل دقيقة تُحدث فرقًا
حادث مثل حريق سنترال رمسيس يُذكرنا بأهمية الاستعداد لمواجهة الطوارئ. في مواقف الحريق، حيث كل ثانية تُعد حاسمة، يُمكن أن تُؤدي معرفتك بالإسعافات الأولية الأساسية إلى إنقاذ حياة إنسان. تذكر دائمًا مبادئ “أوقف، اخمد، برد، اتصل” وتصرف بهدوء وحكمة. سلامتك الشخصية هي الأهم، لكن قدرتك على تقديم المساعدة الفورية لشخص مُصاب بحروق يُمكن أن تُقلل بشكل كبير من معاناته وتُحسن من فرص شفائه. تدرب على هذه الخطوات، وكن مستعدًا، فقد تكون أنت الأمل الأول لشخص في أمس الحاجة للمساعدة.














